قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٧

وعوامل خارجية كالحذف والبتر وسقوط الكلمات في أثناء النسخ والرواية بالمعنى، هذه العوامل تتناقص كلما ازداد عدد رواة الخبر.

ولا يُجادل في هذه العوامل لظهور دلائلها، إلا أن بعض أهل الحديث قد يستنكر جواز الوهم والنسيان للرواة، والحجة عليهم وصف رب العالمين لآدم (عليه السلام) بالنسيان حين قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ طه:115، وكذلك الأمر بالنسبة لموسى (عليه السلام) حين قال: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ الكهف: 73. فإذا كان قد جاز وصف الأنبياء بالنسيان –في غير الوحي المعصوم- فكيف برواة الحديث؟ هذا إذا سلمنا بعدالة الراوي، وإلا فالباطن لا يعلمه إلا الله، فلربما كان هذا الرجل مظهراً الاستقامة مبطناً النفاق والعداء للإسلام كما هو الحال مع الزنادقة.

وقد أقرّ ابن خزيمة بجواز نسيان الصحابة لبعض الأحاديث حيث قال: "فأصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) ربما اختصروا أخبار النبي (صلى الله عليه و سلم)، إذا حدّثوا بها، وربما اقتصّوا الحديث بتمامه، وربما كان اختصاراً بعد الإخبار، أو بعض السامعين يحفظ بعض الخبر، ولا يحفظ جميع الخبر، وربما نسي بعد الحفظ بعض المتن" (1). فإذا كان هذا هو حال الصحابة فكيف بمن هم دونهم؟!.

ثانياً: لو كان كل خبر يفيد العلم القطعي لما تعارض خبران، ولأفاد كلاهما علماً قطعياً منفصلاً، بينما الواقع يخالف ذلك، فكم سمعنا من زيد ما يخالف كلام عمرو، فتصديق النقيضيين واعتقادهما من العبث، فلهذا كان خبر الآحاد ظنيّاً، فإذا جاء خبر آخر إما أن يعضده ويقويه، وإما أن يدمغه ويلغيه، وهذا هو المشاهد في واقع حياة البشر الاجتماعية والعلمية.

(1) ابن خزيمة "التوحيد" ص519. تحقيق سمير الزهيري.

٧٧ / ٢٦٦