قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٨ثالثاً: أن تصحيح الأحاديث وتضعيفها هي أمور في أصلها ظنية، يقول ابن الصلاح: "ومتى قالوا: (هذا حديث صحيح)، فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدد واحد" (1).
وقد أمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم بالاعتماد على الدلائل القطعية والحقائق اليقينية لبناء حصن العقيدة الراسخ، حيث يقول تعالى في حواره للمشركين في مسألة التوحيد: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يونس:35. ثم يبين عز وجل أن عقيدة المشركين تقوم على الظنون والأوهام، بينما عقيدة أهل الإسلام تقوم على العلم واليقين، حيث يقول عز وجل: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يونس36 - 37.
فهذه الآيات المحكمة تبين للمسلم المنهج الأمثل في بناء العقيدة، وهذا المنهج يقوم على القطعي اليقيني كالنصوص المحكمة من القرآن الكريم، والسنة المجتمع عليها والعلوم الكونية القطعية التي تفيد علماً ضرورياً لا يجد القلب تردداً في قبوله واعتقاده، وقد سفه حال الكافرين المتبعين للظن كأخبار الآحاد.
كما أن الله عز وجل يين لنا ضرورة التوثق من شهادات أحاد الناس في أمور المعاملات التي لا تتعلق بالعقيدة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ النور: 4، وقوله {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
(1) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" ص21.