قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٩وَامْرَأَتَانِ} البقرة: 282، فإذا كان الدَّين وقضايا الزنا تحتاج إلى أكثر من شاهد عدل، فكيف بالعقيدة التي هي مدار علاقة الفرد بربه؟!.
من هنا أجمعت الأمة على وجوب التواتر في هذه الأخبار الواردة عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، لكي يُبنى عليها العلم اليقيني الضروري الذي لا يجد الإنسان دفعاً له في قلبه، والذي يمكن أن يؤسس عليه عقيدة راسخة لا يجوز مخالفتها، كما تم الإجماع أيضاً على أن الأخبار التي تتوفر فيها شروط التواتر أنها أخبار آحاد تفيد الظن موجبة للعمل إن كانت متفقة ومنظومة القواعد الكلّية المستنبطة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز، والسنة المجتمع عليها، والقوانين والسنن الكونية الثابتة، لكنها لا تنفرد بتأسيس شيء من العقائد.
يقول النووي: "وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر. واختلف في حكمه، فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل (1).
وهذا الكلام عن خبر الواحد الموافق لمنظومة القواعد الكلّية التي رسختها نصوص القرآن الكريم، والسنة المجتمع عليها، ودلائل العقل القطعية.
والخبر المتواتر هو المطابق للواقع الذي يرويه عدد كبير من الناس يستحيل تواطئهم على الكذب، وسمي بالمتواتر لوقوعه على التعاقب والتوالي، واختلف أهل الحديث في أقل حد للتواتر فقيل خمسة طرق، وقيل عشرة في كل طبقة من طبقات الإسناد، وقيل أكثر من ذلك، بيد أن هناك شرطاً مهماً للتواتر وهو اتفاق ثقات الأمة من الصحابة وتابعيهم بإحسان عليه، وجريان عملهم عليه. يقول ابن بركة: "والسنة على ضربين: فسنة قد اجتمع عليها، وقد
(1) النووي في "شرح صحيح مسلم" ج1ص11 - 12.