قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٠

استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها" (1).

فلهذا فإن المفهوم الشائع بأن التواتر يقصد به كثرة الطرق التي جمعها أهل الحديث محتاج إلى إعادة نظر في صحته، لانفراد طائفة من الأمة دون غيرها برواية تلك الطرق، ومن هنا نجد أن الروايات التي ينفرد أهل الحديث بروايتها لا يمكن لها وحدها أن تأسس علماً يقينياً تقوم عليه العقيدة مهما تعددت طرقها، لأنها في الحقيقة روايات آحادية، ترويها طائفة من طوائف الأمة دون بقية الطوائف.

والرسول (صلى الله عليه و سلم) وصحابته هم من أكثر الناس تطبيقاً لقاعدة ظنية خبر الآحاد وعدم القطع بصحته ورده إذا لم يتوافق مع القواعد الكلّية، ومن أمثلة ذلك أن النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى الظهر أو العصر ركعتين، فقال له رجل يعرف بذي اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال له النبي (صلى الله عليه و سلم): لم أنس ولم تقصر … ثم قال للناس: أكما قال ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم وصلى ما ترك" (2). فالنبي (صلى الله عليه و سلم) لم يكتف في هذه الرواية بخبر ذي اليدين، فأراد أن يتأكد ليقطع الشك باليقين، علماً بأن القضية عملية وليست اعتقادية.

وأبو بكر الصديق حين جاءته جدة تريد أن تورّث، فقال لها: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً وما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ذكر ذلك، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فلم يتيقن أبو بكر من كلامه فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه أبو بكر (3).

أما عمر بن الخطاب فحين أخبره أحد الأنصار عن قصة النبي (صلى الله عليه و سلم) مع زوجاته ونزول قوله تعالى ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ التحريم: 4 في زوجات النبي، لم يقطع عمر بصدق الخبر فذهب بنفسه لسؤال النبي (صلى الله عليه و سلم) عن ذلك. وجاءه أبو موسى الأشعرى

(1) ابن بركة "الجامع" ج1ص280.

(2) البخاري 1227 ومسلم 97 (573). والرواية تشير كذلك إلى محاكمة الصحابي فعل النبي (صلى الله عليه و سلم) بالمستقر المجمع عليه من العمل.

(3) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص6.

٨٠ / ٢٦٦