قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٤

يقول بخلاف هذا القول، ويجيز الوضوء بماء البحر والاغتسال به من الجنابة" (1). فابن المؤرج يردّ رواية ابن عمر حين خالفت العمل الذي استقرت عليه الأمة.

وقد يقال: لماذا التفريق بين العقيدة وفقه المعاملات بحيث اشترط التواتر في العقيدة ولم يشترط في فقه المعاملات؟

يجاب بأن أسباب اشتراط التواتر في العقيدة قد تم بيانه سابقا مدعوماً بالأدلة القطعية من القرآن والسنة المجتمع عليها والتي استقر على العمل عليها، أما المعاملات الفقهية فإن العلم اليقيني ضروري في تأصيل القواعد الكلّية التي تحكم تلك المعاملات، وقد أسلفنا سابقاً أن القواعد الكلّية تقوم على استقراء الأدلة المحكمة من الكتاب العزيز، والسنة المجتمع عليها، وعلى القطعيات العقلية.

أما نفس تلك المعاملات في خصوصها فجائز الأخذ بالظن فيها بشرط عدم تعارض هذا الظن مع القواعد الكلّية اليقينية، فلو ألزمنا البشر الدليل اليقيني في كل معاملتهم لتوقفت حركة الحياة وتعسرت خاصة، فلو توقف حد الزنا والسرقة والقتل على الدليل اليقيني لتعطلت الحدود، وكثر الفساد في المجتمع، ومن لطف الله تعالى بعباده أنه أنزل لهم ما يناسب حركية الحياة ودينامكية العلاقات الإجتماعية، فأجاز لهم قبول شهادة الرجلين في قضايا الديّن، وقبول شهادة الأربعة في قضايا الزنا، كما أن الله عز وجل قد وجه الزوجين إلى التراجع عن طلاقهما إن هم ظنا أن يعملا بأحكام الأسرة التي شرعها الإسلام، يقول تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 230.

فالخلاصة أن المعاملات الفقهية يجوز الحكم فيها وفق الدليل الظني المتوافق مع منظومة القواعد الكلّية اليقينة.

(1) أبو غانم الخراساني "المدونة" ج1ص135 - 136.

٨٤ / ٢٦٦