قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٥وقد جاء تطبيق الصحابة لقاعدة قبول خبر الآحاد غير المصادم للقواعد الكلّية المستوحاة من النصوص القطعية والثوابت العقلية والقوانين الكونية كنموذج للأمة من بعدهم، فلما اختلف الناس في مسألة دخول البلد التي حل بها الطاعون حين خرج عمر بن الخطاب إلى الشام حتى أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بأنه سمع النبي (صلى الله عليه و سلم) يقول: "إذا سمعتم الطاعون بأرض قوم فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" فعرض الصحابة خبر عبد الرحمن بن عوف على القواعد الكلّية التالية:
القاعدة الأولى: أن الخبرة البشرية تؤكد انتشار الطاعون عن طريق الاقتراب من الشخص المصاب.
القاعدة الكلّية الثانية: الإسلام يحرم تعريض النفس للهلاك.
يقول تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة: 195.
ويقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء: 29.
فقبلوا خبر عبد الرحمن بن عوف (1) لموافقته هذه القواعد الكلّية.
بيد أن أهل الحديث عارضوا إجماع الأمة بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم وقالوا: "إن حديث الآحاد حجة في مسائل العقيدة"، وهذا الموقف المتزمت المعارض لإجماع الأمة نابع من اكتشافهم أن الروايات التي يتشبثون بها لبنيان صرحهم الفكري لا تحقق شرط التواتر فهي كلها آحادية، بل إن معظمها أحاديث مكذوبة وضعيفة حتى بمقاييس علم الحديث التقليدية القائمة على الجرح والتعديل.
يقول إبراهيم بن أحمد بن شاقلا، أبو إسحاق البزار (ت 269هـ) مقرراً مذهب أهل الحديث في قبول الحديث الآحاد في العقائد وأنه يفيد العلم القطعي عندهم: "ولما كانت أخبار الآحاد في الصفات لا توجب عملاً دلّ ذلك على أنها موجبة للعلم" (2). وقال عبد العزيز الراجحي: "قد أجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان، على قبول
(1) البخاري 5729.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص119.