قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٦

أخبار الآحاد، سواء كان ذلك في الأصول –أي المسائل الإعتقادية- أم الفروع، ولم يخالف منهم أحد" (1).

وقد أسرف الراجحي كثيراً عندما وصف من قال بظنية حديث الآحاد بأنه زنديق ملحد، حيث يقول: "وسمى هذا التعيس كتابه بـ (السيف الحاد على من أخذ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد)، فلزم لذلك (قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد) ليعملوا سيوفهم في رقابهم، ويجعلوهم عبرة لبقية أذنابهم" (2). لأن أحمد بن حنبل إمام أهل الحديث يقرّ بظنية حديث الآحاد!، فقد نقل عنه أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي (ت 488هـ) في مقدمته في عقيدة أحمد بن حنبل وأصول مذهبه التي ضمنها ابن أبي يعلى كتابه "طبقات الحنابلة" القول بذلك، حيث قال: " فأما خبر الآحاد فيوجب العمل بموجبه، والمصير إلى حكم نطقه، دون القطع بعينه، وإنما يحسن فيه الظن بالناقل أو الجهل بالرواي … وقد حُكى عن بعض أصحابه أنه يقول: إنه يوجب العلم. وما وجدته من لفظه، ولا أظنه يذهب إليه" (3).

والكلام الذي ذكره ابن شاقلا والراجحي مخالف للحقائق العلمي والتاريخية، فقد نقلنا إقرار النووي –وهو من أئمة الحديث- إجماع الأمة على ظنية حديث الآحاد، كما بينا بالأمثلة سابقاً كيف رد الصحابة الكثير من الروايات التي جاء بها صحابة آخرون!.

وأكثر متأخري أهل الحديث الذين تأثروا بالمدارس الكلامية –خاصة المدرسة الأشعرية- خالفوا توجه أئمتهم، وأقروا بظنية الحديث الآحاد، وقد سبق أن نقلنا كلام النووي في المسألة، ونضيف إليه قول اثنين من كبار أئمة الحديث المعتبرين عند الراجحي!، فقد قال الذهبي: "ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما

(1) عبد العزيز الراجحي "قدوم كتائب الجهاد" ص8.

(2) عبد العزيز الراجحي "قدوم كتائب الجهاد" ص7.

(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج2ص245 - 246.

٨٦ / ٢٦٦