قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩ويرى البعض أن أفكار القدرية قد بثها يوحنا النصراني الدمشقي الذي هو من حفدة سرجون بن منصور الرومي النصراني المسئول عن الشؤون المالية للدولة الأموية في عهد معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك بن مروان (1).
والدولة الأموية بدءاً بمعاوية بن أبي سفيان متهمة بالتساهل في تمرير الكثير من العقائد الباطلة التي اعتمدتها في مقابل العقائد الصحيحة للمعارضين للحكم الأموي الوراثي اللاشوري، فقد اعتمد الأمويون عقيدة الجبر، التي مؤداها أن ملكهم تم باختيار الله ولا يملك المسلمون إلا التسليم بذلك، ولا يجوز لهم الاعتراض عليه، لأنهم بذلك يعترضون على أمر الله وقضائه، وتساهلوا في عقيدة الإرجاء، وأن العاصي لا يدخل النار بسبب شفاعة الرسول (صلى الله عليه و سلم)، أما إذا قدّر له أن يدخلها فإنه سيخرج منها لا محالة إلى أعلى عليين حيث يغبطه الشهداء والنبيّيون، وذلك منهم للتغطية على مظاهر الفسوق والفساد والمجون التي ابتلعهم، كما أنهم قاموا بتقريب علماء السوء الذين اعتمدوا على الفكر الإنجيلي المنحرف القائم على "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، و "إذا ضربك الأمير على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر"، ليقتلوا روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الظلم والفساد في المجتمع الإسلامي.
بل إن بعضهم شارك في وضع الأحاديث التي ترسخ العقائد التوراتية، ومن ذلك ما رواه ابن خزيمة عن عروة بن الزيبر أنه قال: "قدمت على عبد الملك فذكرت عنده الصخرة التي ببيت المقدس، فقال عبد الملك: هذه صخرة الرحمن التي وضع عليها رجله … فأنكر عليه عروة" (2). وهذه العقيدة التي يدعو إليها عبد الملك بن مروان هي مما نقله اليهود للأمة فقد روي أن عبد الله بن مسعود مرّ بشيخ يحدث عن التوراة فلما رأى ابن مسعود سكت، فقال: وبم يحدثكم صاحبكم فقالوا: ذكر أن الله لما خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس، فاسترجع ابن مسعود ثم قال: اللهم لا كفر بعد إيمان يقولها مرارا ثم قال: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾
(1) حسين عطوان "الفرق الإسلامية في العصر الأموي" ص36 - 43، نقله حسن المالكي "قراءة في كتب العقائد" ص85 - 88.
(2) ابن خزيمة "التوحيد" ص241. تحقيق سمير الزهيري.