قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٥

المذهب والمنهج، ولا يفرقون بين الإباضية وبين أهل القبلة في النكاح والتعامل (1)، إلا أن أهل الحديث أنزلوا عليهم أقصى الأحكام، فها هو ابن قدامة الحنبلي يقول: " وقال مالك في الإباضية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم" (2)، وقال أيضاً: " وظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا يصلى على الخوارج فإنه قال أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا … وقال مالك لا يصلى على الإباضية ولا القدرية وسائر أصحاب الأهواء ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم" (3).

لعل من الأسباب المهمة التي حرضت أهل الحديث على مهاجمة الفقهاء الشعور بعقدة النقص، والإقرار الداخلي بالضعف أمام الفقهاء الذين يتميزون بملكات ومدارك عقلية عركها السهر على دراسة نصوص الكتاب العزيز، وصقلها محاولة اكتشف القواعد الكلّية التي تربط النصوص بعضها وتنتظمها في إطار يضمن عدم تعارضها وتناقضها، أما أهل الحديث فإن الجري المفزع وراء الروايات الآحادية ومحاولة حفظ أكبر قدر منها قتل ملكة التدبر والتأمل والبحث، فصاروا يعانون من البساطة والسطحية في التعامل مع المعطيات المختلفة.

وحقيقة بساطة أهل الحديث التي تحركهم للثورة على الفقهاء!، قد أقر بها كبار أهل الحديث، فقد اعترف محمد بن إسحاق بن خزيمة بضعف عقلية المحدّثين بقوله فيما رواه البيهقي: "خرج أبو بكر محمد إسحاق يوماً قرب العصر من منزله فتبعته، وأنا لا أدري أين مقصده إلى أن بلغ باب معمر، فدخل دار أبي عبد الرحمن، ثم خرج وهو منقسم القلب، فلما بلغ المربعة الصغيرة، وقرب من خان مكي، وقف وقال لمنصور الصيدلاني: تعال. فعدا إليه منصور، فلما وقف بين يديه، قال له: ما صنعتك؟ قال أنا عطار. قال: تحسن صنعة الأساكفة؟ قال: لا. قال: تحسن صنعة النجارين؟ قال: لا. فقال لنا: إذا كان العطار لا يحسن غير ما هو فيه فما تنكرون على فقيه راوي حديث أنه لا يحسن الكلام" (4). ونقل البيهقي عتاب

(1) راجع محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ج3ص417.

(2) ابن قدامة الحنبلي "المغني" ج9ص7.

(3) ابن قدامة الحنبلي "المغني" ج9ص11.

(4) البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" ج2ص400.

٩٥ / ٢٦٦