قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٧فالتفتت إليه فسألته، فقال: نعم، تغسل الميت بحديث عائشة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال لها: "حيضتك ليست في يدك"، ولقولها: "كنت أفرق رأس رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بالماء وأنا حائض". قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحي فالميت أولى به. فقالوا: نعم، رواه فلان وحدثنا فلان، وخاضوا في الطرق. فقالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟!. (1)
فليس مستغرباً أن تسمع الشافعي يقول لأهل الحديث: "أنتم الصيادلة، ونحن الأطباء" (2). وهذا التوصيف الدقيق يعكس الحالة المنكوسة التي يمكن أن يصل إليها الأمر إذا تجاوز الصيادلة الأطباء وقاموا بعلاج الناس بأنفسهم، فقد يستخدمون دواء ما وهو لا يناسب المريض!، والفقه مثل الطب، إنه إنزال النص على الواقع، فكما يختار الطبيب الدواء المناسب لكل مريض حسب خصوصيته النفسية والعضوية، يختار الفقيه الحكم المناسب لكل حالة حسب ظروفها الزمانية والمكانية، بيد أن أهل الحديث استطاعوا مع مرور الأيام إقصاء الفقهاء عن الساحة الفكرية، بل واستطاعوا تعميم منهجم النصوصي الصيدلاني على الفقهاء!.
يقول الشيخ محمد الغزالي: "وبعض المشتغلين بالحديث يستوعر تدبر القرآن، ودراسة دلالاته القريبة والبعيدة، ويستسهل سماع حديث ما، ثم يختطف الحكم منه فيشقي البلاد والعباد".
وقال ضارباً أمثلة لشطحات أهل الحديث الفقهية التي تفرخها النظرة الجزئية في التعامل مع النصوص:"في هذه الأيام صدر تصحيح من الشيخ الألباني لحديث "لحم البقر داء" وكل متدبر للقرآن الكريم يدرك أن الحديث لا قيمة له، مهما كان سنده، إن الله تعالى في موضعين من كتابه أباح لحم البقر وامتنّ به على الناس فكيف يكون داءً؟ ".
وقال: "وقد ظهرت في الجزائر فتوى لواحد من أهل الحديث حاربناها بقوة قبل أن تصيب الإسلام وأهله بضر شديد. إن على التجار في بضائعهم زكاة يتقربون إلى الله بأدائها، والتجار في الدنيا ملوك المال، وقد افتتح الإنجليز القارة الهندية بشركة تجارية، ولا يزال الاستعمار الاقتصادي يهيمن على ميادين التجارة حتى يتملك أعناق الشعوب! فكيف يزعم
(1) الخطيب البغدادي "تاريخ بغداد" ج6ص67. الخطيب البغدادي "تاريخ بغداد" ج6ص67.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص23.