محاورات الظافر وسعد الحميد حول مسند الربيع ج1
الجزء ١ · صفحة ١٦٦أما ابن القيم: فمع جلالة قدره، ونباهة ذهنه، ويقظته البالغة: فإن المرء ليعجب منه رحمه الله تعالى كيف يروي الحديث الضعيف والمنكر في بعض كتبه كـ "مدارج السالكين" من غير أن ينبه عليه؟! بل تراه إذا رَوَى حديثاً جاء على (مشربه) المعروف، بالغَ في تقويته وتمتينه كلَّ المبالغة، حتى يُخيّل للقارئ أن ذلك الحديث من قسم المتواتر، في حين أنه قد يكون حديثاً ضعيفاً أو غريباً أو منكراً، ولكن لما جاء على (مشربه) جمَعَ له جراميزه، وهبَّ لتقويته وتفخيم شأنه بكل ما أوتيه من براعة بيان وقوة لسان.
وأكتفي -على سبيل المثال- بالإشارة إلى حديث واحد من هذا النمط، رواه رحمه الله تعالى في كتابه: "زاد المعاد في هدي خير العباد" أثناء كلامه عن (وفد بني المنتفق): (3/ 54- 57)، فقد ساق هناك حديثاً طويلاً جداً، جاء فيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ .. ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تُبعث الصائحة، فلعمْروُ إلهك ما تَدَعُ على ظهرها شيئاً إلا مات، تلبثون ما لبثتم، ثم يُتوفّى نبيكم والملائكة الذين مع ربك، فأصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض! وخلت عليه البلاد..!﴾.
وبعد أن ساق الحديث المشار إليه أتبعه بكلامٍ طويل في تقويته استهلّه بقوله: (هذا حديث جليل كبير، تنادي جلالته وفخامتُه وعظمتُه على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يُعرف إلا من حديث عبدالرحمن بن المغيرة المدني ..). ثم استرسل في توثيق (عبدالرحمن) ومن رواه عنه استرسالاً غريباً! كما أنه سَرَدَ الكتبَ التي رُوي الحديث فيها، وهي كتب معروفة بشيوع الحديث الضعيف والمنكر والموضوع فيها، وهو من أعلم الناس بحالها، ولكن غلبته عادته ومشربه، فذهب يسردها ويطيل بتفخيم مؤلفيها، تهويلاً بقوة الحديث وصحته!