مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٧٢وأرى أن أحاديث الإثبات لسجدات المفصل أقوى إسناداً ودلالة لأنها لا تحتاج إلى تأويل، أما أحاديث النفي فيتطرق إليها التأويل، ويحتمل أن رسول الله ح لم يسجد فيها لمانع، إما أنه كان في وقت لا يصلح فيه السجود أو أنه كان على غير طهارة، أو أن قارئ الآية لم يسجد فلم يسجد الرسول ح(1).
وعلى العموم، فالخلاف في هذه المسألة يعتبر من الخلاف المباح كما نص عليه الإمام الشافعي(2).
***
التسليم من الصلاة:
1. عن سعد بن أبي وقاص ? أن رسول الله ح كان يسلم في الصلاة تسليمه واحدة(3).
2. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ح يسلم في الصلاة تسليمه واحدة(4).
(1) شرح مشكل الحديث: (9/ 247)، الاستذكار: (8/ 100).
(2) اختلاف الحديث، ص (16)، الأم: (1/ 136).
(3) الحديث رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار: (1/ 267)، والبيهقي في السنن الكبرى: (2/ 178)، وابن عبد البر في الاستذكار: (4/ 291)، جميعاً من طرق عن عبد العزيز بن محمد الداروردي عن إسماعيل بن محمد بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه - رضي الله عنهم -. وقد أعل ابن عبد البر هذا الحديث بأن الرواة الثقات رووه بتسليمتين، وهم ثقات، فيعد هذا الحديث شاذاً، فقال: عن هذه الرواية: إنها معلومة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد أخطأ فيه الداروردي فرواه على غير ما رواه الناس: تسليمه واحدة، وغيره يروي فيه تسليمتين. الاستذكار: (4/ 291).
(4) الحديث أخرجهُ الترمذي في سننه: (2/ 90) في أبواب (الصلاة) باب (ما جاء في التسليم في الصلاة) رقم (296)، وابن ماجه: (1/ 297)، كتاب (الإقامة)، باب (من سلم تسليه واحدة)، رقم (919). وهذا الحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي: (1/ 230). وقد أُعل هذا الحديث بزهير بن محمد، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بأن له مناكير. وانظُر زاد المعاد: (1/ 163).
قلت: زهير بن محمد اختلف فيه نقاد الحديث توثيقاً وتضعيفاً، فوثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وضعفه النسائي، وقال فيه الدارمي: ثقة صدوق وله أغاليط كثيرة، وذكره العقيلي والذهبي في جملة الضعفاء وقال: ثقة له غرائب. الضعفاء للنسائي، ترجمة رقم (127)، الضعفاء للعقيلي: (2/ 92)، سير أعلام النبلاء: (8/ 168)، تهذيب التهذيب: (3/ 348).
وللحديث شاهد من حديث أنس - رضي الله عنهم -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمه واحدة). أخرجهُ البيهقي في المعرفة: (3/ 97)، وفي السنن الكبرى: (2/ 179)، وابن عبد البر في الاستذكار، وأعله بالانقطاع بين أيوب السختياني وأنس، فقال: ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئاً. الاستذكار: (4/ 296).
قلت: رواية البيهقي في المعرفة: (3/ 97)، وابن المنذر في الأوسط: (3/ 222) ليست من طريق أيوب السختياني عن أنس، وإنما هي من طريق حميد عن أنس.
وله شاهد آخر من حديث سهل بن سعد أخرجهُ ابن ماجه في سننه: (1/ 297)، رقم (918)، والدارقطني في سننه: (1/ 359)، وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس، وهو ضعيف، وقال فيه البخاري: منكر الحديث. انظُر: نصب الراية: (1/ 433)، التعليق المغني: (1/ 359)، نيل الأوطار: (3/ 162)، مصباح الزجاجة: (1/ 317).
وله شاهد من حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - عند ابن ماجه: (1/ 297)، رقم (920)، ومن حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه - عند الدارقطني: (1/ 359)، وفي كل منهما مقال أيضاً. نصب الراية: (1/ 433)، نيل الأوطار (3/ 162).
قلت: وهذه الطرق والروايات تدل على أن لهذا الحديث أصلاً، ومما يدل على ذلك أن بعض الصحابة والتابعين روي عنهم الاكتفاء بتسليمه واحدة، مثل: عثمان، وعلي، وابن عمر، وأنس، وعائشة، وابن أبي أوفى، وسلمة بن الأكوع، ومن التابعين: الحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير. انظُر: سنن الترمذي (2/ 93).