مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٩٩واستدلوا بقصر بعض الصحابة للصلاة لمدد طويلة فروي عن ابن عمر? أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة. وأقام أنس وسعد - رضي الله عنهم - بالشام شهرين يقصران الصلاة. وأقام عبد الرحمن بن سمرة ? سنتين ببلاد فارس يقصر الصلاة. واستدلوا بما فعل بعض التابعين من تقصير الصلاة لمدد طويلة فقد أقام علقمة بخوارزم سنتين يصلي ركعتين، وأقام مسروق بالسلسلة وهو عامل عليها يصلي ركعتين، وكان يقول: ألتمس بذلك السنة، وكذلك روي عن بعض أصحاب ابن مسعود، أنهم أقاموا بسجستان يصلون ركعتين، وقالوا: كذا فعل ابن مسعود(1).
تعقيب:
إن إقامة النَّبِيّ ح خارج المدينة إنما كانت للجهاد والفتوح، فهو لا يعلم متى سيتم ذلك، وكذلك إقامة بعض الصحابة، وقصرهم فيها الصلاة لمدة طويلة، أنهم لم يكونوا قد عزموا على الإقامة، بل حبسهم قضاء حوائجهم، وهم لا يعلمون متى تنقضي تلك الحوائج.
وأصل الخلاف في المسألة راجع إلى عدة أمور:
أولاً: إن المسألة مسكوت عنها، ولم يرد فيها نص صريح، كما صرح بذلك ابن رشد(2)، فكان الاجتهاد في تحديد الإقامة بمدة معينة من أحوال النَّبِيّ ح، إلا أن أبا مسلم الرواحي الإباضي(3) لا يرى أنها من المسائل المسكوت عنها، لأن النَّبِيّ ح فعل القصر في مدد متفاوتة، وما فعله إلا بياناً للحكم، وإن لم يقل ذلك بلسانه، كما أن حكم الإتمام في الوطن والأمن، وعدم الضرورة مستمر لا يقطعه إلا السفر، كذلك حكم القصر مستمر لا يقطعه إلا توطن أو رجوع إلى الوطن، ولذلك لم تحدد الإباضية مدة معينة للمسافر والمقيم.
(1) أخرج هذه الروايات عبد الرزاق في مصنفه: (2/ 535)، وأخرج بعضها الطحاوي في شرح معاني الآثار: (2/ 244)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار: (4/ 274).
(2) بداية المجتهد: (1/ 203).
(3) نثار الجوهر: (2/ 313).