مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦قال الشماخي: وأجمع أصحابنا، فيمن أكل نهاراً في رمضان من غير عذر أنه هالك، وعليه القضاء والكفارة قياساً على المجامع؛ لاستوائهما في هتك حرمة الصوم(1).
والقول بوجوب الكفارة؛ هو الذي نطمئن إليه، لما فيه من حمل النفوس على احترام وتقديس حرمات الله؛ والتحذير من التهاون فيها؛ والتساهل في أمرها، وفي ذلك إلزام بتعظيم شعائر الله، التي تصل به إلى التقوى، وما الصوم إلا للتقوى. والله أعلم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف؛ قياس حكم المتعدي للأكل والشرب؛ على حكم المجامع فالذين لم يوجبوا الكفارة، لم يروا القياس في هذه المسألة، وقالوا: إن رسول الله ح نص على الكفارة على المجامع دون غيره، والأصل براءة الذمة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين، وعليه فاليقين إنما جاء خاصاً في حكم الكفارة بالجماع، والحديث ضعيف الإسناد؛ لجهالة حال "أبي المطوس" أحد رواته، وللشك في سماع أبيه من أبي هريرة؛ وللاضطراب فيه، كما نوه بذلك أبو داود والترمذي في سننيهما، وبينه ابن حجر والعيني في شرحيهما لصحيح البخاري؛ لأن البخاري ذكره معلقاً في كتاب "الصوم" باب "إذا جامع في رمضان"(2).
والذين قالوا بوجوب الكفارة، قاسوا الأكل والشرب وغيرهما عمداً على الجماع، لانتهاك الشهر، وأصل الصوم الشرعي امتناع عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولما ثبت الحكم في إحداهما وجب ثبوته في الآخر، وتخصيص أحدهما بالكفارة عن الآخر يحتاج إلى مخصص، إذ علة الكفارة في الجماع: هي الانتهاك لحرمة الشهر؛ فإن وُجِدَت في غيره وجب إيقاع الحكم فيه؛ إذ العلة تدور مع الحكم وجوداً وعدماً، والله أعلم.
(1) الإيضاح: (3/ 202)، وانظُر جامع ابن بركة: (2/ 27)، جامع البسيوي: (2/ 228)، القواعد: (2/ 89)، شرح النيل: (3/ 399)، معارج الآمال: (18/ 210)، نثار الجوهر: (3/ 154).
(2) انظُر: فتح الباري: (4/ 191)، عمدة القاري: (11/ 23).