مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٢٧ولغة العرب من أوسع اللغات بياناً، وأكثرها اتساعاً حتى لا يحيط بها إلا نبي، يقول الشافعي في الرسالة: "ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيءٌ على عامتها حتى يكون موجوداً فيها من يعرفه"(1). ثم نجد في القرآن ما في لغة العرب، من الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤول، والمشترك، والمبهم، والمجمل، وغير ذلك من أساليبها المعلومة لدى أهلها.
يضاف إلى هاتين الحقيقتين السابقتين أن القرآن الكريم - وإن كان كله قطعي الثبوت - إلا أن منه ما هو قطعي الدلالة الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، ومنه ما هو ظني الدلالة وهو الذي يحتمل معنيين أو أكثر، وهذه النصوص – ظنية الدلالة – ذات مجال رحب لاختلاف العقول في فهمها والوقوف على المراد منها. وهذه الظنيات لا يمكن الاتفاق فيها عادة كما يقول الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام(2).
فإذا ما جئنا إلى حديث النَّبِيّ ح وجدنا أن معظمه من أحاديث الآحاد، وقليله متواتر قعطي الثبوت، ومن ثم، فإن مجال الاختلاف يتسع بالنسبة لحديث الآحاد، فإن منه ما هو قطعي الدلالة، ومنه ما هو ظني الدلالة فيجتمع في كثير من هذه الأحاديث كونها ظنية الثبوت، وكونها ظنية الدلالة، فرب حديث بل أحاديث تثبت عند البعض أو يغلب على ظنهم ثبوتها عن النَّبِيّ ح فيفتون بها، ويعملون بمقتضاها، وقد تكون هذه الأحاديث بعينها لم تثبت عند آخرين، فلا يقولون بموجبها ولا يفتون بمقتضاها.
تلك مشيئة الله ? وحكمته في أن يكون القرآن والسنة هكذا، ولو شاء الله لجعل القرآن والسنة كليهما قطعي الثبوت قطعي الدلالة لا مجال للاختلاف فيهما.