مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي: دراسة حديثية فقهية مقارنة خلفان بن محمد بن خلفان المنذري

مختلف الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣١

سبقت الإشارة إلى أن النصوص الشرعية والأحاديث الثابتة عن النَّبِيّ ح، فيها ما هو قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحداً، ومنه ما هو ظني الدلالة الذي يحتمل أكثر من معنى أو يدخله التأويل.

وفي عصر النَّبِيّ ح حدث أمر كان في غاية الأهمية، وهو ما رواه البخاري في صحيحه بإسناده عن ابن عمر قال: قال النَّبِيّ ح لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلي؛ لم يرد منا ذلك، فذكِرَ للنبي ح فلم يعنف واحداً منهم»(1).

فهذا النص شافه به النَّبِيّ ح أصحابه، فهو عندهم قطعي الثبوت، ومع هذا اختلفوا في فهمه اختلافاً أدى ببعضهم إلى ترك صلاة العصر فلم يصلوها إلا في بني قريظة بعدما فات وقتها. ولم يعنف النَّبِيّ ح أحداً ممن اختلفوا في هذه المسألة؛ إذ اختلفت أفهامهم في إدراك مقصد رسول الله ح، يقول الحافظ ابن حجر تعقيباً على هذه القصة: "وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته ولم يبالوا بخروج الوقت؛ ترجيحاً للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها … والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة. وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد؛ لأنه ح لم يعنف أحداً من الطائفتين، فلو كان هناك إثمٌ لَعَنَّف مَن أَثِم"(2).

ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهم ماء؛ فتيمما صعيداً طيباً، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الثاني، فذكر ذلك للنبي ح فقال للذي لم يعِد: ÷أصبت السنة، أجزأتك صلاتك".

(1) الحديث أخرجه البخاري، كتاب (الجمعة)، باب (صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماء)، رقم (946).

(2) فتح الباري: (7/ 410)، الطبعة السلفية.

٣١ / ٤٨٥