مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٢٨بعد عرض تلك القضايا الفقهية المختلفة وذكر أسبابها، نجد أن بعضها يرجع إلى قواعد أصولية، وبعضها يرجع إلى الحديث؛ بقطع النظر عن صحته أو ضعفه. كما نجد أن أكثر تلك القضايا جاءت عن طريق خبر الآحاد، ونظراً لتفاوت درجات النصوص دلالة وثبوتاً تفاوتت نظرة العلماء إليه، ومن ثم اختلفت اتجاهاتهم، فمنهم من احتج به مطلقاً إذا اطمأن إلى صحة نسبته إلى النَّبِيّ ح؛ ما لم يكن منسوخاً أو معارضاً بما هو أقوى منه.
ومنهم من ترك الاحتجاج ببعض أخبار الآحاد لشروط وقواعد اقتضت عندهم ترك العمل به؛ إذ رأوا وجود تعارض ظاهر بين تلك الشروط والقواعد – التي قام الدليل على صحتها – وبين أخبار الآحاد.
وقد كان لتلك القواعد والشروط أكبر الأثر في عدم وثوق بعض الأئمة بطائفة من أخبار الآحاد من حيث ثبوتها عن النَّبِيّ ح – وإن كان ظاهر أسانيدها الاتصال- وذلك لمعارضتها لتلك القواعد والشروط، فلو صحت حقيقة لما كان بينها وبين تلك القواعد معارضة أصلاً، ومن هنا فقد صرح بعض أهل العلم بهذا وسماه بالانقطاع الخفي في خبر الآحاد كما فعل الإمام السرخسي في كتابه.
وسنعرض في هذا الفصل لبعض تلك القواعد والشروط واتجاهات الأئمة بالنسبة لها، وبيان موقف الإباضية من ذلك.
المبحث الأَول: التعريف بخبر الآحاد ودلالته
خبر الواحد:
نظر الحنفية الحديث من حيث كثرة الرواة وقلتهم، فقسموه إلى: المتواتر، والمشهور، والآحاد.
فالمتواتر: ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وقد يكون التواتر لفظياً أو معنوياً؛ والحديث المتواتر يفيد العلم ويوجب العمل باتفاق الجمهور(1).
(1) التقييد والإيضاح: (265)، تدريب الراوي: (2/ 176)، شرح اللمع: (2/ 569) (2/ 569)، بذل النظر: (377)، أصول السرخسي: (2/ 27)، روضة الناظر: (1/ 247).