مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي: دراسة حديثية فقهية مقارنة خلفان بن محمد بن خلفان المنذري

مختلف الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣٣

فأمهات المؤمنين حفظن عن رسول الله ح ما شاهدن وسمعن في بيوتهن، وغابت عنهن كثير من السنن، وأما الرجال فلم تكن ملازمتهم لرسول الله ح ملازمة تامة، بل يلازمه البعض ويفارقه الكثير لانشغالهم في أمور الحياة، هذا أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم. وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ح يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"(1).

وحكي عمر بن الخطاب أنه كان يتناوب مع جارٍ له في النزول على رسول الله ح، فينزل يوماً فيأتيه بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وينزل جاره يوماً ويأتيه بخبر الوحي(2).

وفي هذين الخبرين ما يدل على أن السنة لم تكن محفوظة كلها عند أحد من الصحابة بعينه، بل غاب كثير منها عن كثير منهم وإن كانت محفوظة عند آخرين.

اختلاف الصحابة بعد وفاة رسول الله ح:

وَلَمَّا توفي النَّبِيّ ح انقطع الوحي، وكثرت المسائل التي اختلف فيها الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً، فكل منهم أفتى بما لديه من العلم وما حصله من سنن النَّبِيّ ح، وربما فاتت أحدَهُم سنةٌ لرسول الله ح، وهذا كثير غير مُنكَر.

يقول الشافعي في هذا: "ولا نعلم رجلاً جمع جميع السنن فلم يذهب منها عليه شيء .. "(3).

ويقول ابن عبد البر في هذا المعنى أيضاً: "لا أعلم أحداً من الصحابة إلا وقد شذَّ عنه بين علم الخاصة واردةٌ بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره، وذلك على من بعدهم أجوزُ، والإحاطة ممتنعة على كل أحد"(4).

(1) أخرجهُ البخاري، كتاب (العلم)، باب (حفظ العلم)، رقم (118).

(2) أخرجهُ البخاري، كتاب (العلم)، باب (التناوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)، رقم (89)، ومسلم كتاب (الطلاق)، باب (في الإيلاء واعتزال النساء)، رقم (17).

(3) الرسالة للإمام الشافعي، ص (42).

(4) الاستذكار لابن عبد البر: (1/ 36).

٣٣ / ٤٨٥