مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٣٣القول الثاني: أنه لا يحتج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، لكونه منسوخاً؛ أو لخطأ الراوي فيما روى وهو مذهب الحنفية(1).
ودليلهم: أن النَّبِيّ ح منوط إليه تبليغ أحكام الشريعة وإشاعتها بين الناس، وقد أمرهم أن ينقلوا عنه كل الأحكام ليعم البيان. وفيما يعم به البلوى، اقتضت العادة أن يكثر السؤال عنه لحاجة الناس إلى معرفة ما ابتلوا به، ويستلزم ذلك اشتهاره واستفاضته، وحيث إن خبر الواحد فيما تعم به البلوى لم يشتهر ولم يستفض فقد دل ذلك على نسخه أو خطأ الراوي(2).
ومذهب الإباضية في هذه المسألة: هو مذهب الجمهور في قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى في الأحكام الشرعية.
(1) بذل النظر: (474)، التقرير والتحبير: (3/ 394)، أصول السرخسي: (1/ 368)، شرح مسلم الثبوت: (20/ 129).
(2) وأجيب بأن الله تعالى لم يكلف رسوله - صلى الله عليه وسلم - إشاعة جميع الأحكام بل كلفه إشاعة البعض، ورد الخلق إلى خبر الواحد، كما ردهم إلى القياس. ويجوز أن يكثر السؤال والجواب، ولا يكثر النقل، فقد خرج حج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين المناسك وأشاع أحكامها في جمع كبير وحثهم على أخذ المناسك، ومع ذلك لم يرو عن حجته إلا القليل، وكان كثير من الصحابة لا يؤثر رواية الأخبار. وعدم اشتهار خبر الواحد فيما تعم به البلوى، لا يدل على النسخ؛ لأن النسخ لا يثبت إلا بما يدل عليه. التبصرة (314)، روضة الناظر: (10/ 328)، المستصفى: (1/ 172).
قلت: وقد أخذ على الحنفية أنهم ردوا بعض الأحاديث الآحادية فيما تعم به البلوى، وقبلوا بعضها فيما تعم به البلوى، كحديث الوضوء من القهقهة، وحديث الوضوء من القيء والرعاف، وحديث شفع الأذان والإقامة، وحديث وجوب الوتر، وغير ذلك. وأجاب الحنفية: بأنهم قبلوا هذه الأحاديث – وإن كانت آحادية – لأنها اشتهرت واستفاضت. أصول السرخسي: (1/ 369).