مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٤٥وأما ما احتجوا به من فضل المدينة، فإنه لا يدل على انتفاء الفضيلة عن غير أهلها؛ فإن مكة أفضل من المدينة؛ وهي أحب بلاد الله إلى رسول الله، لما بها من البيت الحرام، ومقام إبراهيم وزمزم، أما ملازمة الصحابة – من أهل العقد والحل – المدينة والبقاء بها، فلا يدل على انحسار أهل العلم فيها، بل خرج منها أفاضل أهل العلم والفتيا والرواية كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وأبي عبيدة وأبي موسى وغيرهم من الصحابة الذين كان لهم أثر واضح في العلم والفتوى.
وأما احتجاجهم بوجوب اتباع إجماع أهل المدينة، وأن إجماعهم يستحيل أن يخرج عن الحق، واستحالة اختفاء أحكام النَّبِيّ ح عن أهل المدينة وهم الأكثر؛ بأن هذا تَحَكُّمٌ، لأن حجة الإجماع تثبت بإجماع الأمة كلها؛ وأهل المدينة ليسوا كل الأمة؛ بل هم جزء منها(1).
وقد خالف الجمهور اتجاه المالكية في تقديم بعض عمل أهل المدينة على خبر الآحاد عند تعارضهما، وإنما اعتبره بعضهم مرجحاً فقط، ومن ثم فهو يدخل في باب الترجيح.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه لا ينبغي أن نعمم أن كل عمل أهل المدينة مقدم على خبر الآحاد عند الإمام مالك ومحققي المذهب كما نص عليه القاضي عياض وغيره، فأما ما كان من إجماعهم عن طريق النقل فهو حجة لا خلاف في ذلك؛ لأنه من باب تقديم المتواتر على خير الآحاد.
وإذا كان عملهم موافقاً لأحد الخبرين المتعارضين، فهو مما يدخل في باب الترجيح بين الأخبار.
وأما ما كان من إجماعهم عن طريق الاجتهاد، فقد اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: إنه حجة، وقال أكثرهم: إنه ليس بحجة ولا يقدم على خبر الواحد، وهو قول الجمهور في مساواة أهل المدينة مع غيرهم.
(1) أعلام الموقعين: (2/ 233)، روضة الناظر: (363)، الإحكام للآمدي: (1/ 221)، أحكام كشف الأسرار: (3/ 342)، المستصفى: (1/ 187) المحصول: (4/ 163).