مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠خامساً: أن المشهور من أقوال الأصوليين أن الحدود وما يجري مجراها يجوز إثباتها بالقياس، وهو مظنون، إذ يكون القياس فرعاً مستنبطاً من خبر الواحد أحياناً، فإذا جاز إثبات الحدود بالقياس الذي هو فرع من خبر الآحاد أحياناً فالأولى إثبات الحدود بخبر الواحد الذي هو أصل القياس.
أدلة الكرخي والمانعين:
قالوا إن حديث ÷ادرؤوا الحدود بالشبهات×. يحث على رفع الحدود عن المتهمين إذا كانت هناك شبهة، وفي اتصال خبر الواحد إلى النَّبِيّ ح شبهة؛ لاحتمال الكذب في الرواية واحتمال السهو. وهذه شبهة كافية لعدم العمل بخبر الواحد.(1)
وقد أجاب الجمهور بأن هذا الحديث ضعيف، ولو صح فليس فيه كلمة "الشبهات"، وعلى فرض وجود كلمة "الشبهات" فيه فإن المراد الشبهة هنا، هي الشبهة في الفاعل مثل أن يكون جاهلاً بتحريم ما ارتكبه مثل حديث العهد بالإسلام، أو يكون زائل العقل ليس يدري ما يقول، أو تكون الشبهة في الفعل مثل أن يطأ امرأة يظنها زوجته، أو تكون الشبهة في المفعول فيه أن تكون الموطوءة أمة مشركة أو غير ذلك من الشبهات، فقد استفسر رسول الله ح من ماعز إن كان به جنون أو سُكر، ثم جعل يستفسر: لعلك قبّلت؟ لعلك غمزت؟ ليدرأ عنه الحد(2). ومن ثم فإن الشبهة تكون في نفس السبب لا في المثبت للحد.
وبعد ذكر هذين الاتجاهين في هذه المسألة فإن النفس تطمئن إلى رأي الجمهور، لأننا لو تعلقنا بهذه الشبهة، فإن الشبهة تتعلق أيضاً بالشهادة، لاحتمال الكذب والخطأ من الشاهد.
رأي الإباضية:
(1) انظُر: التقرير والتحبير: (2/ 367).
(2) البخاري: (12/ 123)، كتاب (الحدود)، باب (لا يرجم المجنون)، رقم (6824)، ومسلم: (3/ 1321)، كتاب (الحدود)، باب (من اعترف بالزنا)، رقم (1695).