مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي: دراسة حديثية فقهية مقارنة خلفان بن محمد بن خلفان المنذري

مختلف الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣٥٧

بعد بيان أقوال أهل العلم يمكن أن نحصر الخلاف بين اتجاهين(1):

الأول: القائلون بتقديم الخبر على القياس، وهم الجمهور.

الثاني: القائلون بتقديم القياس على الخبر.

أدلة أصحاب المذهب الأول:

استدل أصحاب المذهب الأول، وهم الجمهور، على قولهم بعدة أدلة، وهي:

أولاً: قول النَّبِيّ ح لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: ÷كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ح قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ح ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو؛ فضرب رسول الله ح صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله×(2).

ووجه الدلالة: أن معاذاً - رضي الله عنه - قدم العمل بالكتاب والسنة ثم الرأي إذا لم يجد فيهما حكماً.

(1) ناقش هذه المسألة كثير من أهل الأصول بإطلاق ولم يبينوا موضع النزاع، وممن سلك هذا المسلك القاضي أبو يعلى في كتابه العدة، وأبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع. وبعض أهل الأصول حرر موضع النزاع في هذه المسألة كأبي الحسين البصري في المعتمد، والرازي في المحصول، والآمدي في الإحكام، ولكن هؤلاء اختلفوا في بيان موضع النزاع، فقد ذهب أبو الحسين والرازي إلى أن محل النزاع هو إذا كان حكم الأصل قد ثبت بدليل مقطوع به، وكانت العلة المستنبطة منصوصاً عليها. وقد فصل الآمدي في بيان محل النزاع أكثر من ذلك، فقد نظر إلى القياس وأصله وعلته، ونظر إلى خبر الآحاد ومدى دلالته على مطلوبه، وهل هي دلالة قطعية أو ظنية. ولكن الحق أن هؤلاء لم يضربوا أمثلة عملية لهذه التقسيمات، ومن ثم فإنني أحصر الخلاف بين قولين كما مشى على ذلك كثير من أهل الأصول.

(2) الحديث أخرجهُ أبو داود: (4/ 18)، كتاب (الأقضية)، باب (اجتهاد الرأي في القضاء)، رقم (3592)، والترمذي: (3/ 616)، كتاب الأحكام، باب: ما جاء القاضي كيف يقضي: (1327).

٣٥٧ / ٤٨٥