مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٤٢الشرط الثاني: عدم إمكان الجمع بين المتعارضين؛ وذلك لأنه إن أمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين ولو بوجه فيه بعد، فهو أولى من ترك أحدهما، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
قال البدخشي: "فإنما ترجيح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية"(1).
وقد بينا سابقاً: أن الحنفية يذهبون إلى أن مسلك الترجيح مقدم على الجمع، لأن الدليل المرجوح عندهم يفقد حجيته عند مقابلته للدليل الراجح، ومن ثم فهو لم يعد دليلاً صالحاً للاستدلال به حتى يجمع بينه وبين الدليل الراجح.
الشرط الثالث: ألا يكون أحد الدليلين ناسخاً للآخر، وذلك لأننا إذا علمنا أن أحدهما منسوخ، فلا يكون ثمة مجال للترجيح. قال إمام الحرمين فإذا تعارض نصان على الشرط الذي ذكرناه وتأخرا فالمتأخر ينسخ المتقدم وليس ذلك من مواقع الترجيح(2).
الشرط الرابع: أن يكون الدليلان المتعارضان ظنيين لا قطعيين، لأن الترجيح مبني على غلبة الظن وتفاوت في القوة ولا يتحقق ذلك في القطعيات.
وهذا هو المختار عند أكثر الأصوليين، قال الغزالي: أعلم أن الترجيح إنما يجري بين ظنيين؛ لأن الظنون تتفاوت في القوة ولا يتصور في معلومين ولذلك قلنا: إذا تعارض نصان قاطعان فلا سبيل إلى الترجيح(3).
الشرط الخامس: أن يكون الوجه المرجِح به وصفا قائما بأحد الدليلين لا مستقلا عنه. قال عبد العزيز البخاري: الترجيح إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر وصفا لا حالا(4).
(1) شرح البدخشي: (3/ 215).
(2) البرهان: (2/ 752).
(3) المستصفى: (2/ 92)، وانظُر كشف الأسرار للبخاري: (4/ 78)، شرح تنقيح الفصول، ص (420)، الإحكام للآمدي: (4/ 323)، شرح التلويح على التوضيح: (3/ 39)، شرح البدخشي: (3/ 214).
(4) كشف الأسرار: (4/ 77)، فواتح الرحموت: (2/ 204)، المحرر في أصول الفقه: (2/ 183).