مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٥١وقد عُني الأصوليون أيضا بالترجيح في باب التعارض بين الأدلة فذكروا وجوها متعددة فمنهم من اكتفى بسردها على سبيل الإيجاز من غير تفصيل ولا تمثيل. ومنهم من ذكرها على سبيل الاستيعاب مع عرض أقسامها وأنواعها والتمثيل لها(1).
ومع هذا فقد تتفاوت تقسيمات الترجيح، فمنهم من جعلها قسمين: ترجيح بالسند وترجيح بالمتن، كالشيرازي في اللمع وشرحة، والباجي في إحكام الفصول. ومنهم من جعلها ثلاثة أقسام: ترجيح بالسند وبحال الراوي وبحالة المرويِّ - المتن – وفي المتن من قسم الترجيح بمدلوله وبأمر خارجي. قال الآمدي: وأما ما يعود إلى السند فمنه ما يعود إلى الراوي، ومنه ما يعود إلى نفس الرواية ومنه ما يعود إلى المروي، ومنه ما يعود إلى المروي عنه(2). وقال النجار: فيكون- يعني الترجيح– في السند والمدلول وأمر خارجي(3). وبه قال الشوكاني والسالمي(4).
وأما الترجيح بالسند فلكونه طريق ثبوته، وأما وقوعة في المتن فباعتبار مرتبة دلالته، وأما الترجيح بمدلول اللفظ وبأمر خارجي فلما يترتب على اللفظ وما ينضم إليه من أمر خارج من أحد الأحكام الخمسة المدلول عليها به(5).
(1) انظُر: الغزالي في المستصفى: (2/ 395)، وابن النجار في شرح الكوكب المنير: (4/ 659)، والآمدي في الإحكام: (4/ 324)، والشوكاني في إرشاد الفحول (2/ 383)، والسالمي في شرح طلعة الشمس: (2/ 192). واستوعب هذه الترجيحات بعض المتأخرين منهم الدكتور بدران أبو العينين في أدلة التشريع المتعارضة، والبرزنجي في التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية، والحفناوي في التعارض والترجيح.
(2) الإحكام للآمدي: (4/ 324).
(3) شرح الكوكب: (4/ 627).
(4) إرشاد الفحول: (2/ 382)، شرح طلعة الشمس: (2/ 193).
(5) شرح الكوكب المنير: (4/ 628).
*) والحق أن هذه الوجوه من الترجيحات ليس مطردة في كل موضع يمكن إعمالها فيه؛ وذلك لأن كل مسألة فقهية يكون لها من الأوصاف والأحوال ما يجعلها كأنها مستقلة بذاتها، وقد يتوفر لها من الاعتبارات ما يستغني بها عن الترجيح بهذا الوجه. والله تعالى أعلم.