مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٥٥قال ابن عبد البر: إن مضمون حديث ميمونة متواتر، عن ميمونة نفسها، وعن أبي رافع وعن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها وما أعلم من الصحابة روى أنه عليه السلام نكح ميمونة وهو محرم إلا ابن عباس(1).
وتُؤول قول ابن عباس، فقد كان من مذهبه اعتبار من قلد الهدي محرماً كما ذكره الحافظ عنه في الفتح، وكان رسول الله ح قلد الهدي في عمرته التي نكح فيها ميمونة (رضي الله عنها)، فيكون مراد ابن عباس من قوله: (وهو محرم) أنه ح عقد عليها بعدما قلد هدية، لكنه لم يكن قد تلبس بالإحرام بالفعال، أو أنه تزوج في الشهر الحرام أو في الحرم، وهذا شائع في اللغة، ويحتمل أن تكون من خصائصه ح(2).
هذا، وقد ذهب الحنفية إلى ترجيح حديث ابن عباس، لأنه كما قالوا أقوى سنداً من معارِضه، وابن عباس أعلم وأفقه من أبي رافع، ورواة حديث ابن عباس أثبت وأفقه من رواة حديث أبي رافع. وقالوا أن المحرَّم الجماع وليس العقد قياسا على الطيب للمحرم أن يشتري الطيب وليس له التطيُّب به. ثم حاولوا الجمع بين الحديثين، بأن الخطبة والنكاح كان ح وقتها محرما، أما البناء فكان بسرف وهو حلال(3).
الترجيح بكثرة الرواة:
(1) الاستذكار: (11/ 259). قلت: لم ينفرد ابن عباس بهذا، بل له شاهد من حديث عائشة، وأبي هريرة، عند الطحاوي في شرح معاني الآثار: (3/ 269)، باب نكاح المحرم، والطبراني في الأوسط حديث عائشة: (2/ 340)، رقم الحديث (2164)، وحديث أبي هريرة (9/ 16)، رقم الحديث (8992).
(2) فتح الباري: (9/ 166)، وانظُر: المجموع: (7/ 307)، شرح صحيح مسلم للنووي: (9/ 205).
(3) شرح معاني الآثار للطحاوي: (2/ 268)، مختصر اختلاف العلماء: (2/ 114)، المبسوط: (4/ 191)، فواتح الرحموت: (2/ 209)، شرح فتح القدير: (3/ 138).