مختلف الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٦٣وقد رجح جمهور العلماء حديث ابن عباس على حديث ابن عكيم، وذلك لأن حديث ابن عباس صحيح سالم من الاضطراب، أما حديث ابن عكيم فمضطرب المتن والإسناد، فهو أولا مرسل؛ لأن عبد الله بن عكيم لم يلق النبيح، وثانيا هو مضطرب المتن؛ لأنه روي تارة من غير تقييد بزمن، وتارة روي مقيدا بزمن، وهذا التقييد نفسه مضطرب، فتارة يقول: قبل موته بشهر، وتارة: بشهرين، وتارة بأربعين يوما، وتارة بثلاثة أيام(1).
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح حديث عبد الله بن عكيم على حديث ابن عباس وقالوا: إنه ناسخ لأحاديث جواز الانتفاع بإهاب الميتة إذا تمت دباغته. وذلك لأن حديث عبد الله بن عكيم متأخرا عن أحاديث الجواز، إذ هو مروى قبل وفاة النبيح بقليل، واختلاف القول في الزمن لا ينفي أنه متأخر عن حديث ابن عباس وغيره، وإلى هذا ذهب أحمد ومالك في رواية عنهما(2).
الترجيح باعتبار مدلول الحديث:
ولهذا الترجيح اعتبارات كثيرة، ونختار منها اثنين على سبيل المثال:
الأول: تقديم المثبت على النافي: إذا تعارض خبران أحدهما يثبت أمراً والآخر ينفيه، اختلف أهل العلم في تقديم أحدهما على الآخر:
القول الأول: يرجح المثبت على النافي؛ لأن مع المثبت زيادة علم، والمثبت مؤسس والثاني مؤكد، فالأخذ برواية الإثبات والتأسيس أولى، وهذا قول الإباضية قال العوتبي: (إذا ورد خبران أخدهما نفي لفعل والآخر يوجب إثباته كان الإثبات أولى إذا لم يعلم المتقدم منهما ولا المتأخر)(3) وهو قول الجمهور أيضاً(4).
(1) انظُر: هذه الروايات في المجموع: (1/ 271)، نيل الأوطار: (1/ 65).
(2) المسودة، ص (309)، شرح الكوكب المنير: (4/ 654)، بداية المجتهد: (1/ 79،78)، الكافي لابن قدامة: (1/ 23)، المغني: (1/ 89 - 91).
(3) الضياء: (2/ 255)، وانظُر: طلعة الشمس: (2/ 207)، فصول الفصول، ص (363)،.
(4) شرح اللمع: (2/ 661)، البرهان: (2/ 780)، شرح الكوكب المنير: (4/ 682)، روضة الناظر: (2/ 462).