إذا الصحف أحرقت لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ١٠فإذا أدركنا أن جمع القرآن تم بتكليف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأن العملية تمت تحت سمعه وبصره، علمنا أن ما أحرقه عثمان بن عفان لا يمكن أن يكون هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وتلقاه الصحابة كتابة وحفظاً، فقد روي عن أم المؤمنين عائشة أنها أمرت أبا يونس مولاها أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾البقرة: 238. فلما بلغها آذنها، فأملت عليه (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانيتين). فقالت: هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم "(1) . فهذه الرواية توضح أن الصحابة كانوا يكتبون تفسيرهم للقرآن الكريم في نفس المصحف الذي لديهم، خاصة أن الحروف في ذلك الزمان لم تكن منقطة، وفكرة الأقواس والحواشي وغيرها لم تكن قد ظهرت، وشح الأوراق ووسائل التدوين دفع الناس إلى كتابة القرآن وتفسيره في نفس المكان، والظاهر أن عثمان توجس من هذا الأمر، ورأى أن تلك التفسيرات ربما يظنها الذين يأتون من بعد جزءاً من القرآن، فقرر إتلافها والاحتفاظ بالنص القرآني المكتوب خالصاً من كل زيادة تفسير أو تأويل، ربما تؤدي يوماً ما إلى الاختلاف في القرآن الكريم وآياته، فهذا يجب أن يحسبه المنصف منقبة لعثمان، لا مطعناً فيه، يقول الإمام محمد بن عبدالله الخليلي: (وأما ما نقل عن عثمان فقد نقل، ولا يفعل عثمان ذلك وقصده الإهانة، فلعله تخوّف أن لو دفنها أن تحفر، ورأى ذلك أحسم للمادة وأقطع لأمر الخلاف والتخالف بين المسلمين)(2) .