كتاب الجنين
الجزء ١ · صفحة ٦وكلمة "مضغة" مجرد تشبيه بلقمة عيش، وهذه اللقمة إذا فتَّتَتْها الأسنان فإنها تنخرط في سلسلة تحولات وتغيّرات وأوَّل إحساسات الذوق تدفع إلى المواصلة. ها نحن بعيدون كل البعد عن التفسير المعهود الذي يعطي للمضغة معنى قطعة لحم على أن الجنين في ذلك الحين لا يتجاوز حجم ملمتر واحد مكعب!
كما أن هذا التأويل لا يعني إلا المضغة المخلَّقة ويتناسى الغير مخلَّقة.
هذا ما يدفعنا إلى المواصلة. فالكتلة الخَلويَّة التي انغرزت في جدار الرحم تخضع بدورها لعدة تغيُّرات وتحوُّلات لها وجهان: مخلَّقة وغير مخلَّقة، وللقمة العيش أيضا وجهان: مهضومة وغير مهضومة. نجد تأويلات أخرى تحت أقلام أطباء، فقد اعتمد الدكتور "محمد علي البار" في كتابه "خلق الإنسان بين السنة والقرآن" في الصفحة 348 على تفسير الطبري قائلا بأن معنى المضغة محصور في شكل الجنين أكان إنسانا أم لا، فلو ظهرت علامات إنسانية فسيتم الحمل وإن لم تظهر فإجهاض، ويؤكد الدكتور "محمد فياد" حديثا (1999) في كتابه "إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان" أن الخلايا التي تنمو هي التي توصف بالمخلقة، وأما التي يبطل نموها بسبب اختلال أو علة في تعشيشها فيكون مصيرها الإجهاض والطرح.
إن تفسيرا مثل هذا يجعلنا نفكر أنه يوجد نمو عاديٌّ مصحوب باحتمال دائم ألا وهو الإجهاض؛ لأن واو العطف الواردة في النص تجمع بين فعلين كما وضحه "الشيخ محمد الطاهر بن عشور" في كتابه "التحرير والتنوير".
لقد رجع الدكتور "محمد علي البار" إلى هذا الموضوع في الصفحة 426 من كتابه ليوضح ولو بإيجاز ـ أنه انطلاقا من المرحلة التوتية يمكن تمييز طبقة خلوية داخلية يتولَّد عنها الجنين بحد ذاته وأخرى خارجية، ثم يتراجع إلى التأويل التقليدي موضحا أن الجنين يتم تكميله أو يطرح (صفحة 427).