بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١١٠والحواس كما نعلم جميعا هي وسائل للتعلّم وتوصيل المعرفة إلى القوى العقليّة، فلذلك يرشد العلماء جميع من يريد أن يتعلّم جيّدا، ويزداد من الثقافة، وينمي قواه العقليّة أن يحافظ جيّدا على هذه الحواس، حتّى تؤدّي دورها وعملها بكلّ قوّة، وبصفة كاملة.
والقرآن من جهة أخرى يحارب الظنّ السيّئ، ويأمر باجتنابه، وبالبحث عن الحقيقة والتثّبت في الأخبار. فقال - سبحانه وتعالى -:
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
[الحجرات ــ 12]
وكلّ هذا إرشاد لإعمال الفكر بكلّ ثبات وثقة، والنظر جيّدا في العواقب، وهذا لا يتأتّى إلاّ لمن كان شأنه تشغيل قواه العقليّة دائما وبدون انقطاع.
وهو يدعو إلى تأسيس الأحكام والقرارات في الحياة الواقعيّة وبنائها على الدليل العقلي الذي لا يقبل النقض، ولا يتطرّق إليه نقص، وبواسطة ذلك يدعو إلى اتّباع منهج علمي مؤسّس على أخلاق علميّة، مستخرجة من إعمال القوى العقليّة والفكريّة بصفة إيجابيّة وقويّة.
إنّ الله - عز وجل - هو خالق هذا العقل، وهو يعلم كيف يعمل وينمو ويتطوّر، فأنزل إليه هذه الكتب السماويّة لترشده إلى الطريقة المثلى التي تبعث فيه النشاط والعمل.
إنّ عدم استعمال هذه الطاقة العقليّة الفكريّة يؤدّي إلى تصلّب في التفكير، وتحجّر في الآراء، والقرآن الكريم يحارب هذا التصلّب بأسلوبه الذي أنزله عليه، لأنّه يرشد إلى التفكير في كلّ المجالات، والمخلوقات التي خلقها، وفي النفس الإنسانيّة ذاتها، وما جاء فيه من قصص متنوّعة، وغير ذلك كثير من الأساليب التي تطوّر الفكر وتجعله مبدعا.
والتصلّب في التفكير يؤدّي إلى ضعف انسياب الأفكار القيّمة المفيدة، التي تعين على الإبداع والتنوّع والتجديد، وهذا التصلّب ينتج عنه الملل، ويوصل إلى التوتّر والإمساك عن التفكير، وهذا هو السبب الكبير الذي ترك الناس عصبيّين متوتّرين.