بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٧١وكان لفصاحة ألفاظه وتناسقها في تراكيبها وترتيبها ابتكار أسلوب الفواصل العجيبة المتماثلة في الأسماع، وإن لم تكن متماثلة الحروف في الأسجاع، ممّا جعله سريع العلوق بالحوافظ، خفيف الانتقال والسير في القبائل، مع كون مادّته ولحمته هي الحقيقة، دون المبالغات الكاذبة، والمفاخرات المزعومة، فكان له بذلك صولة الحقّ وروعة لسامعيه، وذلك تأثير روحي، وليس بلفظي ولا معنوي.
وقد جاءت محسّنات البديع في القرآن أكثر ممّا جاءت في شعر العرب، وخاصّة الجناس. كقوله - عز وجل -:
- ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ … [الكهف ــ 104]
والطباق كقوله - عز وجل -:
- ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾
[الحجّ ــ 4]
وصار لمجيئه نثرا أدبا غضّا ومتناولا لكلّ الطبقات.
وكان لبلاغته وفصاحته وتناسقه نافذ الوصول إلى القلوب حتّى وصفوه بالسحر وبالشعر. … قال - عز وجل -:
- ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ … [الطور ــ 30]
وقال الجاحظ:
«وفي القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنّة والنار، والجنّ والانس، والرغبة والهبة، والمهاجرين والأنصار».
زاد الشيخ ﴿الطاهر بن عشور﴾: «والنفع والضرّ، والأرض والسماء».
ومن إيقاع كلماته ما ذكره ﴿صاحب الكشّاف وفخر الدين الرازي﴾:
°أنّ من عادة القرآن أنّه ما جاء ببشارة إلاّ أعقبها بنذارة، وما جاء بوعيد إلاّ أعقبه بوعد».
وقد استوعب ﴿أبو البقاء الكفوي﴾ في كتابه الكليّات في أوائل أبوابه كليّات ممّا ورد في القرآن الكريم من معاني الكلمات، وفي الإتقان للسيوطي شيء من ذلك كثير.
العقل منجم لا ينضب