بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٩٥لقد درس العلماء مهارة التدرّب على التكرار كأسلوب لتشفير المعلومات في الذاكرة، كما أنّهم يعتبرونه امتداد فريد من نوعه للانتباه، وهو وسيلة من الوسائل الفعّالة لوضع شيء بعمق في نظم الذاكرة المتعدّدة باستخدام أشكال مختلفة للذاكرة، وأشكال حسيّة مختلفة.
والتدرّب مهارة تسلسليّة تتكوّن من الانتباه الفعّال، ومن مهارة حدسيّة يطبّقها كلّ إنسان من وقت لآخر، وخاصّة الطلبة الذين يدرسون مختلف المعلومات، لأنّه وسيلة يستعمل لإدخال المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى، وإبقائها وقتا كافيّا لتشفيرها في الذاكرة طويلة الأجل.
ويمكن أن نعتبر التكرار المتعدّد لآية من آيات القرآن الكريم بقصد حفظها، بمثابة التدرّب بالنسبة للذاكرة، ففي بداية تكرارها نسجّلها تسجيلا سريعا، وخفيفا، ثمّ بتكرارها وإعادتها مرّة بعد أخرى ترسخ في الذاكرة التي تتّخذ فيها مكانها ومثواها الثابت.
إنّ هذا التكرار والإعادة لعدّة مرّات يعتبره العلماء من التمرينات البسيطة على الانتباه، وذلك لأنّ التكرار هو امتداد للانتباه.
ونجد هذه الطريقة هي الطريقة التي كان يعلّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه حيث علّمها له ربّه بواسطة جبريل - عليه السلام -، فصار يتعامل بها مع أصحابه، وكذلك يجب على كافّة المسلمين أن يتّبعوا نفس الطريقة، لأنّ الله - عز وجل - ربّهم قد جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إسوة حسنة لهم فقال - عز وجل -:
- ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ … [الأحزاب:21]
فما يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كيفيّة تحفيظ القرآن لأصحابه يعتبر طريقة سماويّة نبويّة من طرائق الحفظ التي يعلّمها للناس خالق نفوسهم، ومنشئ عقولهم، وفي ذلك من الأسرار ما لا يعلمه إلاّ خالق هذا الإنسان، وخالق عقله وذاكرته.