بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

قبل أن نتطرّق إلى حاسّة السمع وعلاقتها بقوّة الذاكرة، واهتمام القرآن بها اهتماما بالغا، لا بدّ من الإشارة إلى المحيط الذي نزل فيه القرآن الكريم، إذ أنّه كان متميّزا بطبيعته الممتازة للإستماع، وذلك أكثر من اهتمام أصحاب تلك البيئة بالطبيعة البصريّة، وقد كوّنها فيهم ما كانوا يقيمونه من أسواق أدبيّة يظهرون فيها عبقريّاتهم، وفي محيطهم الصحراوي الذي يعتمدون فيه على المنبّهات السمعيّة أكثر من المنبّهات البصريّة، كما كان مجتمع الصحابة عند نزول القرآن عليهم مجتمعا سمعيّا أكثر منه بصريّا.

فالقرآن كان ينزل شيئا فشيئا، وكانوا يعتمدون كلّيا على حاسّة السمع في حفظ آياته، لأنّه لم يكن هناك كثير ممّن يحسنون الكتابة، ولم تكن لديهم وسائل الكتابة وآلاتها وأدواتها، إلاّ بعض من الصحابة الذين اعتمد عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تدوين الوحي الذي كان ينزل عليه.

فالآيات القرآنيّة كانت تسمع وتحفظ عن ظهر قلب، وتتناقل عن طريق الرواة، وبالرغم من أنّ كتّاب الوحي كانوا يدوّنونها، إلاّ أنّ القرآن الكريم لم يعمّم على الأمصار إلاّ في زمن الخليفة الثالث سيّدنا ﴿عثمان بن عفّان﴾ ـ - رضي الله عنه - ـ وبقيت الأحاديث النبويّة الشريفة غير مدوّنة لوقت متأخّر، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى قلّة من كانوا يجيدون القراءة والكتابة، إذ قيل:

إنّ عددهم في مكّة عند أوّل ظهور الإسلام لم يكن يتجاوز بضعة أفراد. كما أنّ العرب لم يدوّنوا شعرهم الغزير حتّى وقت متأخّر، ولكنّه كان يحفظ من طرف الروّاة، ويروونه إلى غيرهم في الأسواق والمناسبات فيستمع الكلّ إليه ويحفظه.

وقد ذكر الله - عز وجل - حاسّة السمع في القرآن أكثر من حاسّة البصر، وفي كلّ مرّة كان يسبّقها على البصر في كلّ مرّة يريد فيها تخصيص أهميّة الحواسّ، وما ذلك إلاّ لأهميّة هذه الحاسّة ودورها الفعّال في التعلّم والحفظ والوعي وترسيخ الاعتقاد داخل القلب.

٢٨٩ / ٣٩٧