بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٣٤«وما أحسن ما رتّب سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ حواره مع المشركين حين سألهم أوّلا عمّا يعبدون، سؤال مقرّر، لا سؤال مستفهم، ثمّ أنحى ﴿أي أقبل﴾ على آلهتهم فأبطل أمرها بأنّها لا تنفع ولا تضرّ، ولا تسمع ولا تبصر، ووصل عن طريق ذلك إلى كسر وإبطال تقليد آبائهم الأقدمين، وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجّة، ثمّ صوّر المسألة في نفسه دونهم حتّى خلص منها إلى ذكر ربّه - عز وجل -، فعظّم شأنه وعدّد نعمه من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجو في الآخرة من رحمته وفضله، ثمّ أتبع ذلك أن دعاه بدعوة المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين، ثمّ وصله بذكر يوم القيامة وثوابه وعقابه، وما يدفع إليه المشركين يومئذ من الحسرة والندم على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنّي الكرّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا. … انتهى.
والله - عز وجل - خالق هذا العقل يعلم أنّ الحوار من مستلزمات تنميّة التفكير وتكوين الذاكرة تكوينا صحيحا سليما، والإنسان يطلبه دائما ويميل إليه بطبيعة حياته الاجتماعيّة لقدح زناد العقل، لذلك ملأ القرآن الكريم بحوارات مختلفة في الأساليب والمواضيع التي تدور فيها.
فاتّصال ذهنين مختلفين في التفكير والتوجّه، وتواصلهما يثمر أفكارا جديدة، وإذا أراد إنسان أن يختبر فكرة وردت إليه، فما عليه إلاّ أن يطرحها في حوار مع غيره، وسيجد كم تتّضح تلك الفكرة في ذهنه.
ويستطيع كلّ واحد منّا أن يطرح أفكاره أمام كلام ربّه - عز وجل - إذا أراد أن يبلورها وتؤتي ثمارها، خاصّة وأنّ كلام ربّنا يتحدّث في كلّ جوانب الحياة والنفس.
وبواسطة إحاطتنا لعمليّة الحوار في القرآن نستطيع أن ندرك ما أقامه للعقل من قيمة كبيرة ودور فعّال مؤثّر في الحياة، فهو عماد الحوار، ومن شروط حدوثه.
وقد نقل ﴿أبو حيّان التوحيدي﴾ في كتاب الإمتاع والمؤانسة قول أحد الفلاسفة:
«العاقل يضلّ عقله عند محاورة الأحمق».
فال أبو سليمان: هذا صحيح.