بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٥٩

إنّ التجويد والترتيل يختصّ بالجانب الأيمن للمخّ، وقراءة الكلمات يختصّ بالجانب الأيسر، فلذلك نجد أنّ القراءة بترتيل يجمع بين مهارة قراءة الكلمات ومهارة الإيقاع. … قال الله - سبحانه وتعالى -:

- ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾

[الإسراء ـ 106]

قال ﴿السيّد قطب﴾ في تفسير هذه الآية:

«ومن ثمّ فقد جاء هذا القرآن مفرّقا وفق الحاجات الواقعيّة لتلك الأمّة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربيّة الأولى، والتربيّة تتمّ في الزمن الطويل، وبالتجربة العمليّة في الزمن الطويل، جاء ليكون منهجا عمليّا يتحقّق جزءا جزءا في مرحلة الإعداد».

ولا يستطيع المسلمون أن يتّخذوه كمنهاجا للتربيّة العمليّة إلاّ باستعمال عقولهم استعمالا كاملا لفهم معانيه.

يزيد ﴿السيّد قطب﴾ فيقول: «ولقد تلقّاه الجيل الأوّل على هذا المعنى، تلقّوه توجيها يطبّق في واقع الحياة كلّما جاءهم منه أمرا، أو نهي، وكلّما تلقّوا منه أدبا، أو فريضة، ولم يأخذوه متعة عقليّة، أو نفسيّة، كما كانوا يأخذون الشعر والأدب، ولا تسليّة وتلهيّة كما كانوا يأخذون القصص والأساطير، فتكيّفوا به في حياتهم اليوميّة، تكيّفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي سلوكهم ونشاطهم، وفي بيوتهم ومعاشهم، فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كلّ ما عداه ممّا ورثوه، وممّا عرفوه.

يقول المفسّر ﴿محمّد الطاهر بن عاشور﴾:

«ومعنى فرقناه، جعلناه فرقا، أي أنزلناه منجّما، مفرّقا، غير مجتمع مرّة واحدة».

ويطلق الفرق على البيان، لأنّ البيان يشبه تفريق الأشياء المختلطة، فيكون فرقناه، محتملا معنى بيّناه وفصّلناه.

وقد عُلّل بقوله: لتقرأه على الناس على مكث، فهما علّتان: أن يُقرأ على الناس، وتلك علّة لجعله قرآنا، وأن يُقرأ على مكث، أي مهل، وبطء، وهي علّة لتفريقه.

والحكمة في ذلك أن تكون ألفاظه ومعانيه أثبت في نفوس السامعين».

٣٥٩ / ٣٩٧