بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٦١«ومن الأسباب الأخرى التي ذكرها المفسّر ﴿طاهر بن عاشور﴾ في حكم تكرار القصص في القرآن الكريم أنّ جمع المؤمنين للقرآن كاملا كان نادرا، بل تجد البعض يحفظ بعض السور، فيكون الذي حفظ إحدى السور التي ذُكر فيها قصّة معيّنة عالما بتلك القصّة، كعلم من حفظ سورة أخرى ذكرت فيها تلك القصّة نفسها، غير أن كلماتها وأسلوبها قد تغيّر».
إنّ البيان القرآني الذي أنزله الله - عز وجل - على هذا النحو، يدعو العقل الإنساني إلى البحث والتدبّر والعمل حتّى يصل إلى فهم هذه التعابير بصفة حسنة.
خاصّة كما يقول العلماء أنّ كلمة العقل لم تذكر بصيغة الاسم، وإنّما وردت عشرات المرّات بصيغ الفعل:
عقلوه، يعقلون، تعقلون، نعقل، وهذا دليل وإشارة إلى أنّه فعل يمارس في الواقع، وليس مجرّد عضو يستخدم أو يعطّل، ولم يوجد في القرآن لفظة تدين استعمال العقل، ولكن فيه ما يمجّده، ويحثّ على إعماله واستخدامه، وينهى عن تعطيله.
وهو يدعّم إعمال العقل بكثير من الألفاظ الأخرى: السمع، والبصر، والقلب، والفؤاد، التفكّر، والتدبّر، الفهم والعلم، والحكمة والذكر، وكلّها مصطلحات قرآنيّة تتنوّع صيغها، وتؤكّد أن لا سبيل إلى نجاح الإنسان وصلاحه وفلاحه إلاّ بإعمال العقل.
- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ … [يوسف ـ 2]
يقول د ﴿محمّد عبد الله دراز﴾ ــ رحمه الله ــ:
«تقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف [من الرقّة وظهور ما وراء اللفظ] والملاسة، والإحكام والخلو من كلّ غريب عن الغرض، ما يتناسق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر، ولا استعادة حديث، كأنّك لا تسمع كلاما ولغات، بل ترى صورا وحقائق ماثلة. … ومن أمثلة ذلك قوله - عز وجل -:
- ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ … [الملك ــ 10]
أبو سليمان الخطّابي، وتعليقه على التكرار في القرآن