بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٦٢وقد بيّن المفسّر ﴿أبو سليمان الخطّابي﴾ في رسالته [بيان إعجاز القرآن] التكرار في القرآن وفوائده وبلاغته، وبعد أن بيّن وجوه الإعجاز كما يراها، هاجم كلّ من عارض هذا التكرار ومن لم ير فيه فائدة، ومن اعتبر ذلك شبهة، فقال:
«وأمّا ما عابوه من التكرار، فإنّ التكرار على ضربين:
أحدهما مذموم: وهو ما كان مستغني عنه، غير مستفاد منه زيادة معنى، ممّا استفدناه من المرّة الأولى، لأنّه حينئذ يكون فضلا من القول ولغوا، وليس في القرآن شيء من هذا النوع.
والثاني: ما كان بخلاف هذه الوصفة، فإنّ ترك التكرار في الموضع الذي يقتضيه، وتدعو إليه الحاجة فيه، هو نوع من الإخلال بالأسلوب المطلوب، وكذلك تكلّف الزيادة في موضع نحن بحاجة إلى الحذف والاختصار، وإنّما يحتاج إليه ويحسن استعماله في الأمور المهمّة التي قد تعظم الحاجة إليه لزيادة توضيح معنى، أو زيادة معنى جديد لم يذكر من قبل، ويخاف من تركه وقوع الغلط والالتباس».
وإذا نظرنا من جهة مهارات الذاكرة، والتي من بينها التكرار والذي تتكوّن بواسطته مهارة الربط، نعلم جيّدا بأنّ هذا التكرار ليس شيئا زائدا في كتاب الله - عز وجل -، وإنّما قد أنزله في كتابه لأسرار كثيرة، مناسبة لمهارات الذاكرة ونشاطاتها، قد علم العلماء بعضها، وما خفي عنهم كثير.
ولا يستطيع أحد من الناس مهما بلغ من علوّ شأنه وغزارة علمه أن يتجرّأ ويحكم بأنّ في القرآن الكريم ولو حرفا زائدا مكرّرا، يمكن أن نستغني عنه، أو لم يوضع في محلّه، لأنّه يُعتبر ذلك انتقاص من كلام الله - جل جلاله -، وإنّما لم يستطع العلماء أن يصلوا إلى كلّ أسرار القرآن فذلك من إرادته - عز وجل -، وهو القائل:
- ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ … [الإسراء ــ 85]
وقد أخبر الله - عز وجل - عن السبب الذي من أجله كرّر كثيرا من المواضيع، وخاصّة منها القصص والأخبار، فقال - عز وجل -: