بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٨١إنّ هذا الكنز العظيم يشتمل على شتّى أنواع الأساليب اللفظيّة والتعبيريّة والروحية التي لها الأثر الكبير على كلّ جوانب النفس البشريّة، فتنشّط كلّ قواها المختلفة، فتستثيرها، وتأخذ بمجامعها وترجّها رجّا عنيفا، فتحدث فيها التفاعل اللازم لتولّد الطاقة الكافيّة لعمل قواها العقليّة، فتتنوّع الأفكار، وتقوى الإرادة فيها بما تحمله الآيات من توجيهات وخيالات لا يقدر على نسجها الجنّ والإنس.
- ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ … [الإسراء ـ 88]
إنّ إثارة التفكير الخصب والمبدع هو ما ضمّنه خالق الإنسان في هذا القرآن.
فهو يمتاز بكونه خصب بمواضيعه المتغيّرة، وفي ينبوع الخطاب فيما يخصّ أشخاصا كثيرين لا نستطيع عدّهم، ذكرهم منزّل هذا القرآن، فتارة يخبر عنهم الله - عز وجل - بلسانه، وتارة يضيف إليهم الكلام فيجعلهم يتحدّثون بأنفسهم.
فلو تطرّقنا مثلا إلى قصص سيّدنا إبراهيم المتعدّدة المواضيع والأساليب التي ذكرها ربّنا - عز وجل - فيه نجد أنّه ذكرها من جوانب متعدّدة، وقد جاءت إشارات أخرى كثيرة وقصيرة في عدّة سور متفرّقة من القرآن.
وقد ورد ذكر حوار سيّدنا إبراهيم مع أبيه في سورة سيّدتنا مريم، وفي هذه القصة من البلاغة التعبيريّة في الحوار ما يأخذ لبّ القارئ، ويأسر قلبه، وذلك في الحوار الذي كان يدور مع أبيه، وقد جاءت الآيات تذكر وتصف تدرّج سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - شيئا فشيئا مع أبيه، وهذه النداءات التي تمتلئ عطفا وحنانا، والخوف من أن يمسّ أباه عذاب من الرحمان، وكان كلّ مرّة يناديه بكلّ تقدير وأدب، يآ أبت، يآ أبت، يآ أبت، رغم قساوة أبيه نحوه وغلظته عليه في قوله:
- ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ … [مريم ــ46]