بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية سليمان بن محمد موسلمال

بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٨٤

ولكن أين هم الذين يفقهون مثل هذا المغازي وهذه الرقائق في كتاب الله - عز وجل -، إلاّ القليل الناذر ممّن يتدبّر كتابه على النحو الذي يطلبه منّا ربّنا - عز وجل -، وربّما هذا التعدّد والابتكار في التعبير بين حالة وأخرى يقصد منها ربّنا - عز وجل - تعليم عباده مثل هذه الأساليب البليغة المتنوّعة، ولذلك نجد تفاسير متعدّدة كثيرة لكلام الله - عز وجل - وهذا دليل على تنوّع أسلوبه الذي يكوّن في تعبير أصحابه أساليب جديدة.

وكذلك القصص الأخرى التي ذكر فيها الأنبياء والرسل الآخرين، كلّها أتت عبارة عن شعلة ربّانيّة لإنارة عقول قارئيها ومتدبّريها، فتفتح لهم في كلّ مرّة بابا جديدا لاستخراج أفكار جديدة لم يدركوها في المرّة السابقة، وهكذا تنشّط لهم قواهم العقليّة فيسيرون على ذلك النمط في تعلّمهم في مختلف العلوم الأخرى، وبذلك يصبحون مبدعين في أفكارهم، أقوياء في مهاراتهم.

وهي كذلك تبعث في النفس الشوق للتفصيل، وتجعلها تتشوّق للوقوف مع الجزئيات التي تتكوّن منها، والأحداث المختلفة التي وقعت فيها، فعلينا أن ندرّب نفوسنا ونرشد غيرنا للتركيز على هذه الأسس، حتّى نحفظ القرآن حفظا جيّدا وبوعي واقعي، فينمّي عقولنا، ويطوّر تفكيرنا ويحقّق في عقولنا، وفي تفكيرنا الهدف الذي أنزل الله - عز وجل - هذا الكتاب من أجله.

إنّ تكرار القصص لمختلف الأنبياء والرسل هو سحر بيان وتثبيت معان، كما قال بعض المفسّرين، وهو كذلك بلاغة وإعجاز، وفيه أهداف عظيمة قد خفيت علينا، لا يعلمها إلاّ منزّله - عز وجل -، ولعلّ من بين الأسرار تعليم قارئه مهارة التكرار الغير المملّ، ومهارة الربط بين مختلف العناصر الموجودة في موضوع واحد، أو يدور حول محور واحد.

وأنا أقول بأنّ كلّ تعبير جديد يجعل الخلايا العقليّة تنشط وتعمل بصفة أكبر وأوسع من الموضع الأوّل الذي مرّت عليه، ويجعلها تبدع في تعبيرها.

٨٤ / ٣٩٧