دراسة بلاغية لسورة القمر سليمان بن أبي بكر كان

دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ١٦

فقد أفاد التّشبيه تجسيد الصّورة، وتشخيصها، فهذه الجموع الخارجة من الأجداث في مثل رجع الطّرف تشبه الجراد الذّي اشتهر بانتشاره واحتشاده، وأن يكون له هدفٌ من هذا الانتشار والاحتشاد، وكذلك هذه الجموع قد ألجمها الخوف، وعقد الهول أفهامها، وضرب عليها رواكد من الحيرة، وغشيها بأمواجٍ من الضّلالة والرّين، فهي تسير تلبيةً لدعوة الدّاعي دون أن تعرف لِمَ يدعوها، ولكنّها تعرف بصورةٍ مبهمةٍ أنّه يدعوها إلى شيءٍ نكر لا تكتنه حقيقته ولا تعرف فحواه(1) .

كما أنّ الله _ تعالى _ أراد تشبيه جموع الخلائق يوم بعثهم ونشرهم بجمعٍ من الجراد المتلاطم المتموّج فشبّه الله _ تعالى _ هيئة خروج النّاس من القبور متراكمين ومتزاحمين ومكتظّين بهيئة خروج الجراد متعاظلاً يسير مضطرباً غير ساكنٍ(2) .

التّشبيه الثّاني من تشبيهات السّورة:

قوله _ تعالى _: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعِرٍ ﴾ :

معنى الآية : أنّ تلك الرّيح الصّرصر كانت تقتلعهم من الأرض اقتلاع النّخلة من أصلها.

قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض فترمي بهم على رؤوسهم فتدقّ أعناقهم، وتُبينُ رؤوسَهم وتقصمها من أجسادهم.

وأعجاز النّخل: أسافله، وأصوله ومغارسه.

والعجز: مؤخّر الشّيء.

منقعرٍ: اسم فاعل من الفعل انقعر مطاوع "قعره"، أي بلغ قعره بالحفر يقال: قعر البئر إذا انتهى إلى عمقها وهو وصف للنّخل، روعي في إفراده وتذكيره صورة لفظ نخلٍ دون عدّة مدلوله(3) .

وهذا ما يتعلّق بمعنى الآية أمّا الجانب البلاغيّ منها فندرسه كالتّالي:

(1) _ إعراب القرآن الكريم وبيانه: محي الدّين الدّرويش، دار ابن كثير، 408هـ/1988م، 09/374.

(2) _ التّحرير والتّنوير: سماحة الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور، مؤسّسة التّاريخ، الطّبعة الأولى 1420هـ/2000م، بيروت، لبنان، 27/173.

(3) _ التّحرير والتّنوير: 186.

١٦ / ٥٤