دراسة بلاغية لسورة القمر سليمان بن أبي بكر كان

دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ١٧

فالتّشبيه فيه مرسلٌ مجملٌ، لأنّ أداة التّشبيه (الكاف) موجودةٌ ووجه الشّبه محذوفٌ.

فقد شُبّه هؤلاء الكفّارُ المطروحون على الأرض بأصول النّخيل المقطوعة الّتي تقلع من منابتها، وتُستأصَل من مغارسها لموتها إذ تزول فروعها ويتحاتّ ورقها فلا تبقى إلاّ الجذوع الأصليّة فلذلك سمّيت أعجازاً(1) .

وقيل: كانت الرّيح تقطع رؤوسهم فتبقى أجساماً بلا رؤوسٍ فأشبهت أعجاز النّخل الّتي انقلعت من مغارسها(2) .

فيُظهِر جمال التّشبيه ورونقه أنّ القوم كانوا ذوي جثثٍ عظامٍ، طوال القامة الّتي شبّهت بجذوع غلظةً منقلعةً من مغرسها، متساقطةً على الأرض.

وحذف وجه الشّبه في التّشبيه ليكون تمثيلياًّ، وليتصوّر المتخيّل أوجه الشّبه بين المشبّه والمشبّه به من صورٍ متعدّدةٍ من طولٍ وغلظةٍ، وعدم حراك إلى غير ذلك ممّا يعطيه هذا التّشبيه من معانٍ وتصوّراتٍ.

وهذا من أرقى البلاغة وأبلغها، وسرٌّ من أسرار بلاغة القرآن الكريم، إذ من خصائص بلاغة القرآن الإيجاز ودقّة التّصوير والتّمثيل، فالمتأمّل لهذا التّشبيه والمتمعّن فيه كأنّما رأى هؤلاء النّاس تقلعهم الرّياح وتنزعهم من هنا وهناك، وتطرحهم على أجسادهم الغليظة هامدين، ساكنين سكون جذعةٍ غليظةٍ منقلعةٍ من مغرسها.

التّشبيه الثّالث : قوله _ تعالى _: ﴿ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ :

فكانوا بمعنى: صاروا، وتجيء (كان) بمعنى صار حين يراد بها كونٌ متجدّدٌ لم يكن من قبل:

والهشيم: ما تفتّت وتهشّم وتهضّم من الشّجر، ويكون بمعنى ما يبس وجفّ من الكلإ ومن الشّجر، وهو مشتقٌّ من الهشم وهو الكسر، لأنّ اليابس من ذلك يصير سريع الانكسار.

(1) _ المصدر السّابق: 186.

(2) _ البحر المحيط: أبو عبد الله محمّد بن يوسف الأندلسيّ الغرناطيّ الشّهير بأبي حيّان، دار إحياء التّراث العربيّ، الطّبعة الثّالثة 1411هـ/1990م، بيروت، لبنان، 8/ 178.

١٧ / ٥٤