دراسة بلاغية لسورة القمر سليمان بن أبي بكر كان

دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٢٠

كلامنا في هذا المبحث ينصب على الاستعارات الّتي تضمّنتها السّورة وإذا كان البلغاء قد تباروا في هذا المجال، وتسابقوا في هذا الميدان الفسيح قديماً وحديثاً فإنّنا نجد في كلام الله أروع العبارات وأحسنها استعارةً، ولا نكاد نقرأ آيتين أو ثلاث آياتٍ حتّى نرى ما تتبارى فيه الأذواق من التّخيّلات الحسّيّة والمجرّدات الذّهنيّة، وعلى ذلك سندرس في سورتنا حظاًّ وافراً من الاستعارات ومن قبل أن نأتي إلى دراسة تلك الاستعارات نعطي نبذةً عن بلاغة الاستعارة بعد تعريفها.

فالاستعارة هي: تشبيهٌ في الأصل حذف أحد طرفيه.

وفائدتها تقديم المعاني الثّمينة في صياغةٍ لفظيّةٍ متينةٍ موجزةٍ.

ويقول عبد القاهر الجرجانيّ(1) : (ومن خصائصها أنّها تعطيك الكثير من المعاني حتّى تخرج من الصَّدَفَة الواحدة عدّة من الدّرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعاً من الثّمر، وتجد التّشبيهات على الجملة غير معجبةً ما لم تكنّها _ إن شئت _ أرتك المعاني الّتي هي من خفايا العقل كأنّها قد جُسِّمَتْ حتّى رأتها العيون وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانيّة حتّى تعود روحانيّة لا تناولها الظّنون).

والمجال فسيحٌ أمام فرسان الكلام ليتسابقوا ويتباروا في الابتكار، وروعة الخيال.

فاسمع لقول الله _ تعالى _ في شأن النّار: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ .

إنّك تتصوّر وأنت تقرأ الآية النّار في مخلوقٍ ضخمٍ بطّاشٍ جبّارٍ، مكفهرّ الوجه عبوسه، يغلي صدره غيظاً وحقداً وغضباً ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ تتميّز من الحقد والحنق على العاصين، إنّها مخلوقٌ حيٌّ يحوي في طواياه كرهاً وغيظاً وغضباً، ولكنّه يكظم جميع ذلك ويكاد أن يتقطّع من شدّة تفاعله الدّاخليّ، ذلك هو مشهد النّار الّذي تصوّره لنا الآية(2) .

(1) _ أسرار البلاغة:

(2) _ البلاغة: 85 –82.

٢٠ / ٥٤