دراسة بلاغية لسورة القمر سليمان بن أبي بكر كان

دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٢١

وهكذا الاستعارة تبعث الحياة في الأشياء الجامدة الهامدة وتحوّلها إلى شيءٍ حيٍّ حركيٍّ، وتعمل على تجسيد المعاني وتشخيصها في الذّهن.

ونأتي إلى دراسة الاستعارات الواردة في السّورة وأوّلها:

قوله _ تعالى _: ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴾ :

في قوله _ تعالى _: (وادزجر) استعارةٌ، وذلك من خلال معنى خفيّ في تلك اللّفظة، وقبل أن نشرع في تحليل ذلك نقف إلى هذا المعنى الخفيّ والمعنى الآخر في اللّفظة ففي (وازدجر) معنيان:

أوّلها: أنّه معطوفٌ على قوله: مجنونٌ، أي وزجروه عن التّبليغ بأنواع الأذيّة والتّخويف وعلى هذا فلا يكون في الكلام استعارة.

ثانيهما: أنّ (وازدجر) من جملة مقولهم أي: قالوا هو مجنونٌ وقد ازدجرته الجنّ وتخبّطته ومسّته بجنونٍ وعلى هذا المعنى الثّاني يكون في الكلام استعارة.

وبيان ذلك: أنّه قد استعير لمن مسّته الجنّ بجنونٍ كلمة (ازدجار) بجامع ذهاب العقل، وفقدانه في كلٍّ منهما (المس، والزّجر) على سبيل الاستعارة التّصريحيّة التّبعيّة.

فقد شبّه الزّجر بالمسّ بالجنون بجامع ضياع العقل وذهابه في كلٍّ من الزّجر، والمسّ "وكأنّه لمّا مسّه الجنون من الجنّ عدل عن مسلك العقلاء فشبّهه بمن زجرته الجنّ وصرفته عن طريق الصّواب، ولا قرينة عليها"(1) .

وفي قوله _ تعالى _: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ :

(1) _ حاشية الشّهاب على تفسير البيضاويّ (غاية القاضي وكفاية الرّاضي): دار صادر، بيروت، لبنان، 08/123.

٢١ / ٥٤