دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٢٣وهكذا إذا فتحنا أخيلتنا وتصوّرنا مصارع هؤلاء القوم كيف أُهلكوا وأبيدوا، وكيف قُضي عليهم … فإنّنا نستطيع أن نجد مدخلاً إلى ذلك من خلال هذا التّصوير والتّمثيل الدّقيق لهذه الأمطار المتدفّقة من كلّ صوبٍ وحدبٍ، فكأنّها من شدّتها تفتح السّحب، وتشقّ أديم هذه الأرض.
والغرابة في ذلك أنّ كلّ هذه التّصوّرات، والتّمثيلات جاءت كلّها من هذه العبارة القصيرة الوجيزة الّتي أدّت إلى جليل هذه المعاني وعظيم تلك المفاهيم.
إنّه التّعبير القرآنيّ الّذي يلتزم الإعجاب والإعجاز في مضمونه وفي سياقه مع جمال تناسقه وتراصّه، وفي دقّة تصويره للأمور الغيبيّة، فيتصوّر المتخيّل هذه الفيضانات الشّديدة، وهذه السّيول العارمة الّتي تأتي على الأخضر واليابس عند ما يتصوّر مياهاً كمياه البحار حبست عن سدٍّ وفتح هذا السّدّ عنها كيف تندفع وتجري، ولا يمنعها ويحول عنها بعد ذلك أيّ شيءٍ، ولا تنفع أيّ محاولاتٍ لتهدئتها.
وخلاصة القول أنّ الخيال القرآنيّ يفوق أيّ خيالٍ، لأنّه قول الله المبين، وتصويره _ من غير شكٍّ أدقّ من كلّ تصويرٍ.
وقد مرّ لنا أن قلنا: إنّ هذه العبارة أبلغ ممّا اشتهر عن العرب من نحو قولهم: "جرت ميازيب السّماء، وفتحت قِرَبُ الجوّ"، وذلك ممّا لاشكّ فيه ولكن يأتي ذلك من باب المدارسة فقط فنحن نجري هذه المقارنة من هذا المنحى؛ لأنّ الشّيء بضدّه يعرف، وإذا نظرت إلى هاتين العبارتين تجدهما تكادان أن تكونا ساذجتين خاليتين من أيّ خيالٍ إذا ذكرتا إلى جانب قوله _ تعالى _: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ لأنّ القربة إذا فتحت عن الماء اندفع وانتهى، فالمبالغة بجري الماء عبّر عنها بجريان الميزاب.
أمّا فتح الماء المنصبّ المنهمر من كثرته عن أبوابٍ واسعةٍ فإنّ الخيال يجول ويدور في تصوير ذلك، ومحاولةً للوصول إلى قوّة هذا الماء وشدّة اندفاعه.