دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٢٤وفي قوله _ تعالى _: ﴿ فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ :
والتقاء الماء يكون بجمع مياه الأمطار مع ماء عيون الأرض فالالتقاء مستعارٌ للاجتماع، شبّه الماء النّازل من السّماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين جاءت كلّ واحدةٍ من مكانٍ فالتقتا في مكانٍ واحدٍ كما يلتقي الجيشان على سبيل الاستعارة التّصريحيّة التّبعيّة(1) .
أو نقول: اختلط ماء الأمطار المنهمرة بماء العيون المتفجّرة فالتقى ماءاهما على ما قدّره الله _سبحانه وتعالى _ من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ(2) .
أي: استعير للاختلاط والامتزاج لفظة التقاء، شبّهت المياه المنهمرة من السّماء والمياه النّابعة من الأرض بشيئين منفصلين فاختلطا وامتزجا بحيث صارا شيئاً واحداً.
وقد قلنا بأنّ المراد من التقاء الماء، التقاء ماء الأمطار وماء العيون المتفجّرة من عمق الأرض، فمن أين استفدنا هذه الدّلالة مع أنّ كلمة الماء مفردةٌ ولم يقل: فالتقى الماءان ؟
الجواب: أنّنا استفدنا ذلك من كلمة الماء لأنّ (ال) فيها للجنس، أي للدّلالة على جنس الماء الشّامل لماء الأمطار وماء العيون …إلخ.
وقد قلنا: إنّ الالتقاء مستعارٌ للاجتماع والسّؤال ما الجامع بينهما ؟
الجامع بينهما أنّ كلاًّ من الاجتماع والالتقاء يفيد تداخل الشّيئين واختلاطهما بحيث يصيران شيئاً واحداً.
ولا يخفى على ذي الذّوق السّليم والإدراك الرّاقي ما في هذه الاستعارة من روعةٍ فنّيّةٍ، وجمالٍ بلاغيٍّ راقٍ، وفي الوقت نفسه لها غرضٌ مرادٌ إدراكه وإيصاله إلى الّذين يرتادون هذا الكتاب بالتّدبّر والإمعان وهذا الغرض لإفادة أنّ الماءين المجتمعين، أحدهما من فوق، والآخر من تحت، الشّيء الّذي يفيده الالتقاء، ولو وضعنا مكانه كلمة الاجتماع لما حصلنا هذه الفائدة، وذلك أنّ الاجتماع يفيد تداخل الشّيئين المتحاذيين المتقابلين.