دراسة بلاغية لسورة القمر سليمان بن أبي بكر كان

دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٢٦

ولفظ إلقاء الذّكر ههنا مستعار، والمراد به أنّ القرآن العظيم لعظم شأنه وصعوبة أدائه كالعبء الثّقيل الّذي يشقّ على من حمله وألقى عليه ثقله ونظيره في ذلك قوله _ تعالى _: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ (المزّمّل: 05)، وكذلك قول القائل: ألقيت على فلانٍ سؤالاً، وألقيت عليك حساباً أي: ساءلته عمّا يستكدّ له هاجسه، ويستعمل به خاطره(1) .

فقد استعير للقرآن العبء الثّقيل وحذف المستعار، ثمّ رمز له بشيءٍ من لوازمه وهو الإلقاء على طريق الاستعارة المكنيّة، والجامع بين المستعار والمستعار له هو الصّعوبة والشّقّ على من حمل أو كلف بالقيام بهما.

قوله _ تعالى _: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ﴾ :

فالعبارة استعارة تمثيليّةٌ ولكي نعرف ذلك لابدّ من معرفة معنى المراودة لغةً.

فالمراودة: محاولة إرضاء الكاره بشيءٍ بقبول ما كرهه، وهي مفاعلةٌ من راد يرود روداً، إذا هبّ ورجع في أمرٍ(2) .

مُثِّلت هيئة محاولتهم ومراجعتهم المتكرّرة بهيئة من ينصرف ويرجع في أمرٍ يهمّه ويشغل باله.

وإذا أمعنّا النّظر في هذه الاستعارة التّمثيليّة في دقّتها وحسن تصويرها لموقف هؤلاء الّذين كانوا يريدون التّحرش بضيوف لوطٍ _ عليه السّلام _، ومدى شدّة طمعهم واهتمامهم بهذا الأمر الشّائن، وكيف يلائم همّتهم، واندفاعهم لما أهمّوا به بمثل من ينصرف ويرجع في أمرٍ أهمّه، وشغل باله وهو في حيرةٍ منه كيف يتوصّل إليه.

(1) _ تلخيص البيان: 299، بتصرّف.

(2) _ التّحرير والتّنوير: 27/198.

٢٦ / ٥٤