دراسة بلاغية لسورة القمر سليمان بن أبي بكر كان

دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٢٧

فقد صار موقفهم هذا ماثلاً ومشخّصاً أمام ناظريك بسبب هذا التّمثيل، وهذا العنصر (التّمثيل، والتّجسيد) من أهمّ أغراض الاستعارة، وإذا كانت الاستعارة تعني تقديم المعاني الثّمينة في صياغةٍ لفظيّةٍ متينةٍ فإنّنا نجد هذا الأمر في هذه الاستعارة الّتي أفادتنا بجملتها القصيرة معاني كثيرةً وشخّصتها في أذهاننا، والعبارات القرآنيّة تمتاز بهذا الفنّ البلاغيّ الرّاقي، إن أوجزت أوجزت بأخصر ما يكون كما أنّها في مجال الإسهاب والإطناب نرى لها الوجاهة نفسها والعلوّ في التّعبير، ولسنا بصدد تفصيل القول فيما يتعلّق ببلاغة الاستعارة وإنّما أن نعطي نبذةً مختصرةً عن موضوعات السّورة من الوجهة البلاغيّة.

قوله _ تعالى _: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ :

فالأخذ مستعارٌ للإهلاك والانتقام، و"الأخذ" مستعارٌ منه و"الإهلاك" مستعارٌ له، والجامع بينهما هو الشّدّة والإيلام، فقد شبّه الإهلاك والانتقام من الكفّار الجاحدين لأنبياء الله بالأخذ، فالاستعارة مكنيّةٌ تبعيّةٌ، لحذف المشبّه به، ولأنّ اللّفظ الّذي جرت به الاستعارة فعلٌ مشتقٌّ من الأخذ، ونظيره قوله _ تعالى _: ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ (النّحل: 46)، أو يأخذهم على تخوّفٍ، والقرينة المانعة من إراد المعنى الحقيقيّ حاليّة، مفهومة من سياق الكلام؛ لأنّنا نعرف وندرك بفهمنا أنّ الأخذ الحقيقيّ لا يتأتّى في الآية، ومعنى الشّدّة والبطشة الّذي يشمّ من الأخذ جعله يستعار في مواضع من القرآن الكريم للإهلاك والانتقام، ولمّا كان المراد من الاستعارة تصوير مدى شدّة ما أخذ به هؤلاء من الهلاك لم يكتف بذكر ذلك بالاستعارة بل زيد على ذلك تأكيد الفعل بالمفعول المطلق المضاف إلى العزّة: ﴿ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ .

٢٧ / ٥٤