دراسة بلاغية لسورة القمر سليمان بن أبي بكر كان

دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٢٨

فالاستعارات القرآنيّة غايةٌ في التّجسيم والتّشخيص، وتصوّر الأشياء المراد إيصالها إلى الأذهان تصويراً دقيقاً، ولاغرو أن نرى هذا التّشبيه الاستعاريّ مشتملاً على تلك الدّقّة في التّصوير، فنحن نرى مهالك هؤلاء القوم الجبابرة كيفيّةً وهيئةً بفضل هذه الاستعارة، وهذا من أهمّ مميّزات التّشبيه عامّةً والاستعارة خاصّة: الدّقّة، والتّصوير، وصياغة المعاني الكثيرة في ألفاظٍ قليلةٍ.

قوله _ تعالى _: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ :

ففي قوله: "أمرّ" استعارة؛ لأنّ المرارة لا يوصف بها إلاّ المذوقات والمطعومات، ولكنّ السّاعة لمّا كانت مكروهةً عند مستحقّي العقاب حسن وصفها بما يوصف به الشّيء المكروه المذاق، ومن عادة من يلاقي ما يكرهه، ويرى ما لا يحبه _ أن يحدث ذلك تكليحاً في وجهه فيدلّ على تنوّر جأشه وشدّة استيحاشه فكذلك هؤلاء إذا شاهدوا أمارات العذاب ونوازل العقاب ظهر في وجوههم ما يستدلّ به على فظاعة الحال عندهم، وبلوغ مكروهها من قلوبهم فكانوا كلائك المضغة المَقِرَة، وذائق الكأس المصبرة في فرط التّقطيب، وشدّة التّكليح، ويشهد لهذا قوله _ تعالى _: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهَمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ (المؤمنون: 104)(1) .

واستعيرت المرارة للإحساس بالمكروه على طريقة تشبيه المعقول الغائب بالمحسوس المعروف(2) .

شبّه الإحساس بالألم والمكروه بالشّيء المرّ المذاق الّذي لا يستساغ ولا يطاق.

(1) _ تلخيص البيان: 300.

(2) _ التّحرير والتّنوير: 27/203.

٢٨ / ٥٤