دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٢٩فالاستعارة مكنيّةٌ تبعيّةٌ، والقرينة لفظيّةٌ، وهي كغيرها من الاستعارات السّابقة تهدف إلى غرضٍ مهمٍّ وحيويٍّ ذلك الّذي يتمثّل في تقريب المعنى إلى الأذهان؛ لأنّ السّاعة وما يتبعها من أهوالٍ وعذابٍ أشياء غائبة عنّا لم نلمسها بحواسّنا فيتطلّب تصوير ذلك إلى التّشبيه بشيءٍ محسوسٍ ومدركٍ لحواسّنا مكروهٍ غير مستساغ لدى النّفوس، وأحسن شيءٍ وأنسب لذلك، هو الشّيء المرّ المذاق من المطعومات والمذوقات، فشبّهت السّاعة بذلك لتكون شيئاً متجسّداً في كينونتنا، ومتشخّصاً في أذهاننا فنزداد لها استعداداً، ومنها خوفاً.
قوله _ تعالى _: ﴿ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ :
أي يقال لهم: ذوقوا حرّ النّار وألمها.
فقوله _ تعالى _: ﴿ مَسَّ سَقَرَ ﴾ ، كقولك وجد مسّ الحميّ، وذاق طعم الضّرب؛ لأنّ النّار إذا أصابتهم بحرّها، ولحقتهم بآلامها فكأنّها تمسّهم مساًّ بذلك كما يمسّ الحيوان ويباشر بما يؤذي ويؤلم(1) .
فالاستعارة مكنيّةٌ تبعيّةٌ، شبّه إيلام النّار بحيوانٍ يتحسّس شيئاً ويمسّه، أو بعبارة أخرى جعل الإيلام مساًّ، والنّار حيواناً على طريقة الاستعارة التّخييليّة الّتي تعتمد على الخيال، ولا تدخل في دائرة الاستعارات الحقيقيّة، ولكن يجب علينا أن نفهم أنّ المقصود من هذه الاستعارة هو تصوير كيفيّة إيلام النّار لهؤلاء القوم، وأنّهم حتّى لو أرادوا الابتعاد والهرب منها فلن يجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ لأنّ الله _ تعالى _ أعطى هذه النّار غريزة الاشتياق إلى لحومهم وجلودهم تشبه غريزة الحيوان الجائع في اشتياقه وشرهه إلى اللّحم وهذا ما أرادت الاستعارة إتحافنا به.
قوله _ تعالى _: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ ﴾ :
(1) _ الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل: أبو القاسم محمود بن عمر الزّمخشريّ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ)، 04/48.