دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٣٦أي: إسراع النّاس مجيبين لدعوة ربّهم بعد أن بُعثوا من قبورهم وأُخرجوا منها، ولا شكّ أنّ التّعبير عنه بدلاً من أن يقال: مسرعين له غرضه المعنويّ الكبير عند التّأمّل والتّدقيق في كلمة (الهطع) وأصل معناه؛ لأنّه كما يدلّنا على الإسراع يدلّنا أيضاً على مدى الطّيش والتّهوّر، وشدّة الحيرة لدى هذه الجموع الّتي خرجت من مراقدها لتوّها، ولهذه الدّلالة وزنها، ورجاحتها كما لا يخفى.
قوله: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ :
والألواح: أخشابٌ عريضةٌ، والدّسر: المسامير، وهو جمع دِسار، ككِتابٍ وكتبٍ.
و ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾: كنايةً عن سفينة نوحٍ _ عليه السّلام _، وصفة من الصّفات الّتي تقوم مقام موصوفاتها، وتنوب عنها، وتؤدّي مؤدّاها، بحيث لا يفصل بينهما، ونحو هذا قول أبي الطّيّب:
مفرشي صهوة الحصان ولكنّ *** قميصي مسرودة من حديدٍ
أراد بذلك: ولكنّ قميصي درعٌ، وفي الآية أو البيت لو جمعت بين السّفينة وبين هذه الصّفة أو بين الدّرع وهذه الصّفة لم يصحّ، وهذا من فصيح الكلام وبيانه(1) .
ففي الآية كنايةٌ عن موصوفٍ هو السّفينة.
قوله _ تعالى _: ﴿ تّجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ :
أي: بمرأى منّا، أي: محفوظةٌ بحفظنا وكلاءتنا.
وهذا أصل معناه ووضعه، ثمّ كنّى به عن الحفظ والرّعاية، أي: حفظ الله ورعايته لسفينة نوحٍ عند جريانها فوق الطّوفان، فهي ومنْ عليها لا يخافون من أن تَكبّ بهم فيغرقوا جميعاً؛ لأنّها محفوظةٌ بحفظ من لا تغيب عنه طرفة عين، والعبارة في منتهىً من الدّقة والجمال من حيث الأسلوب، وأداء الغرض حقّ التّأدية، فهي كنايةٌ عن صفةٍ هي حفظ الله ورعايته _ سبحانه _.
وقوله: ﴿ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴾ :
(1) _ إعراب القرآن الكريم وبيانه: 09/379.