دراسة بلاغية لسورة القمر لسليمان كان - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٣٩كل أواخر آيات السّورة فيها سجعٌ مرصَّعٌ غير متكلّفٍ، وهو يزيد في جمال اللّفظ وموسيقاه كما أنّ له وقعاً وجرساً في اللّفظ، فلنقرأ مثلاً قوله _ تعالى _ في بداية السّورة: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ… ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ يَّرَوْاْ آيَةٍ يُّعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِر ﴾ ، نقرؤه ولألسنتنا صوت موسيقيٌّ بفضل السّجع الّذي رصّعت به الفواصل.
ولنقرأ كذلك قوله: ﴿ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ ، نجد التّوافق في الفواصل وهي الرّاء حرف التّكرار.
وكذلك في قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ ﴾ ، وقوله ﴿ :وَكُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَر ﴾ .
وهكذا كلّ السّجع الوارد في السّورة نجد فيه هذا الجمال الصّوتيّ والتّأثير الموسيقيّ وهذا الوقع الجرسيّ غير المتكلّف الّذي يستسيغه اللّسان، ويستحليه السّمع، شأنه في ذلك شأن البلاغ القرآنيّ الّذي يتميّز بالأسلوب الرّاقيّ والأداء الجميل والإيقاع المتناسق والتّأثير الجذّاب والتّعبير الصّادق.
المبحث الثّاني: المحسّنات المعنويّة البديعيّة:
هي تلك المزيّنات اللّفظيّة الّتي تميل إلى جانب المعنى أكثر من اللّفظ وفيها الطّباق، والمقابلة والتّورية، واللّفّ والنّشر، وحسن التّعليل، وتأكيد المدح بما يشبه الذّمّ وعكسه، وتجاهل العارف، فنحاول هنا استجلاء بعضها في السّورة الكريمة.
أوّلاً: الطّباق:
هو لغةً: الشّيء بين الشّيئين، واصطلاحاً: الجمع بين معنيين متقابلين سواءً أكان ذلك التّقابل التّضاد أم الإيجاب والسّلب أم العدم والملكة أم التّضايف أم ما أشبه ذلك، وسواءً أكان ذلك المعنى حقيقياًّ أم مجازياًّ(1) .
(1) _ علوم البلاغة: 297.